منوعات

اللبنانيون يهربون من فاتورة البنزين: هل تنجح السيارات الكهربائية في إنقاذ ميزانيتهم؟

ليبانون ديبايت” 

تحولت مشكلة إرتفاع أسعار المحروقات في لبنان والعالم، بعد نحو 6 اشهر من إندلاع الحرب الاميركية- الايرانية، من مجرد تحدي مؤقت وآني إلى أزمة مُستدامة لها تداعيات إجتماعية وإقتصادية كبيرة. ولعل تلويح السائقين العموميين وموظفي القطاع العام في لبنان مؤخرا، بالإضراب طلبا بزيادة بدلات النقل أبرز الأدلة على أن كلفة النقل وتداعياتها باتت مشكلة حقيقية عند معظم اللبنانيين، ولذلك تحاول حكومة الرئيس نواف سلام التصدي لهذه المشكلة عبر إجراءات متعددة (بغض النظر عن مدى نجاعتها)، وآخرها إطلاق لقاء “نحو تطوير النقل المشترك في لبنان”، الذي هو اليوم في حال يرثى لها.

في المُقابل وبسبب غياب البدائل الموثوقة يعتمد المواطنين على السيارات الخاصة، وبرز مؤخرا إهتماما متزايدا منهم بالسيارات الكهربائية والهجينة، إذ لم يعد التحوّل نحو السيارات الكهربائية مجرّد خيار بيئي أو توجّه تكنولوجي مستورد من الأسواق العالمية، بل بات مرتبطاً بصورة مباشرة بكلفة التنقّل والبحث عن وسائل تخفّف الأعباء اليومية على الأسر والشركات.

تشير مؤشرات سوق السيارات في لبنان، إلى أن هذا التحوّل بدأ يكتسب زخماً في العام الحالي، وإن كان لا يزال يواجه تحديات مالية وتقنية وبنيوية تحول دون انتشاره على نطاق واسع، لكنه يفتح سوقاً جديدة في قطاع النقل والطاقة، يمكن أن تتحول إلى سوق واسعة وُمستدامة إذا تكاملت ثلاثة عناصر أساسية: القدرة الشرائية، وكلفة الطاقة، والبنية التحتية للشحن والصيانة.

مبيعات السيارات الكهربائية إلى إرتفاع؟

بحسب بيانات موقع «Focus2Move» المتخصص في أسواق السيارات، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل في لبنان بنسبة 96 بالمئة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتصل حصتها إلى نحو 8.2 بالمئة من إجمالي مبيعات السيارات خلال الفترة المذكورة.

وفي المقابل، سجّل سوق السيارات اللبناني عموماً نمواً بنسبة 26.1 بالمئة خلال الفترة نفسها، مع وصول المبيعات إلى 10,756 سيارة، وفق البيانات المنشورة في آب 2026. ويعكس ذلك أن نمو السيارات الكهربائية يتجاوز وتيرة نمو السوق ككل، رغم أن حصتها لا تزال محدودة نسبياً.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كونها تأتي بعد تراجع مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 27.8 بالمئة خلال عام 2025، حين بلغت حصتها نحو 4 بالمئة من إجمالي السوق، بحسب المصدر نفسه. وهو ما يشير إلى انتعاش ملحوظ في الطلب خلال عام 2026، وإن كان من المبكر إعتبار هذا النمو مؤشراً نهائياً إلى تحوّل مستدام في سلوك المستهلك اللبناني.

السيارات الهجينة توسّع خيارات المستهلك

لا يقتصر التحوّل في السوق اللبنانية على السيارات الكهربائية بالكامل، بل يشمل أيضاً السيارات الهجينة التي تجمع بين محرك الاحتراق الداخلي والمحرك الكهربائي، والسيارات الهجينة القابلة للشحن الخارجي. وتكشف بيانات تمّ نشرها في تشرين أول الحالي، أن السيارات الهجينة التقليدية والهجينة القابلة للشحن والسيارات الكهربائية بالكامل، شكّلت نحو 29 بالمئة من مبيعات السيارات الجديدة في آب الماضي، مقارنة بنحو 16 بالمئة في الشهر نفسه من عام 2025. ويعكس هذا التطور توسّع الاهتمام بالسيارات التي تتمتع بكفاءة أعلى في استهلاك الطاقة، لكنه لا يعني أن 29 بالمئة من السوق أصبحت كهربائية بالكامل؛ إذ تشمل النسبة فئات مختلفة من المركبات المكهربة.

وتشكّل السيارات الهجينة خياراً انتقالياً مهماً في لبنان، لأنها تتيح تخفيض استهلاك البنزين من دون الاعتماد على الشحن الخارجي، بالقدر نفسه الذي تحتاج إليه السيارات الكهربائية بالكامل. أما السيارات الكهربائية، فتوفّر إمكانية الاستغناء عن البنزين كلياً، شرط توافر وسيلة شحن مناسبة.

لماذا تتزايد جاذبية السيارات الكهربائية؟ بحسب الخبراء، يتمثّل العامل الأساسي في كلفة التشغيل. فالسيارة الكهربائية لا تحتاج إلى البنزين، وتستمد الطاقة اللازمة للحركة من البطارية التي تُشحن عبر الكهرباء. ويمكن أن تنخفض كلفة التنقّل لكل كيلومتر مقارنة بسيارة تعمل بالبنزين، خصوصاً عند توافر الشحن المنزلي بأسعار مناسبة أو استخدام الطاقة الشمسية. كذلك، تتميز السيارات الكهربائية بوجود عدد أقل من الأجزاء الميكانيكية المتحركة المرتبطة بالمحرك التقليدي، ما قد يخفّض بعض نفقات الصيانة الدورية، مثل تغيير زيت المحرك. لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى صيانة الإطارات والمكابح وأنظمة التبريد والفحص الإلكتروني، كما أن إصلاح البطارية أو استبدالها قد يترتب عليهما إنفاق كبير في حال حدوث عطل خارج الضمان.

وتستفيد السوق أيضاً من توسّع الخيارات المتاحة، ولا سيما مع دخول شركات صينية تقدّم طرازات كهربائية بأسعار تنافسية مقارنة ببعض العلامات التقليدية. وقد أشار الدليل التجاري الأميركي الخاص بلبنان، الصادر في شباط 2026، إلى تزايد القدرة التنافسية للعلامات الصينية في مجال السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المرتبطة بها، في ظل بحث المستهلكين عن خيارات أقل كلفة.

شبكة الشحن تتوسّع…

يشكّل الشحن أحد أبرز التحديات أمام انتشار السيارات الكهربائية في لبنان، في ظل الانقطاعات الكهربائية والاعتماد على المولدات الخاصة، إضافة إلى تفاوت توافر محطات الشحن بين المناطق.مع ذلك، بدأت البنية التحتية للشحن تتوسّع. إذ أعلنت أحد شركات بيع المحروقات، عن قسم التنقّل الكهربائي التابع لها عن شبكة تضم أكثر من 25 محطة شحن، تشمل شواحن تعمل بالتيار المتناوب (AC) وأخرى سريعة بالتيار المستمر (DC). وتذكر الشركة أن بعض شواحنها تتيح الوصول إلى نحو 80 بالمئة من شحن البطارية خلال 30 دقيقة، بحسب قدرة السيارة والشاحن وظروف الشحن.

وتشير الشركة أيضاً إلى إمكان تركيب شواحن منزلية وتجارية، وهو عامل قد يسهم في تسهيل استخدام السيارات الكهربائية، خصوصاً للأشخاص الذين يملكون مواقف خاصة أو يستطيعون شحن سياراتهم في أماكن العمل.

غير أن وجود محطات شحن لا يكفي وحده لضمان انتشار واسع؛ إذ يحتاج السائق إلى شبكة موزعة جغرافياً بصورة عملية، ومعلومات واضحة عن مواقع المحطات وتوافرها، وتوافق الشواحن مع سيارته، وأسعار الشحن، فضلاً عن إمكان الاعتماد على الشحن المنزلي في حالات انقطاع الكهرباء.

هل التوفير مضمون رغم ارتفاع أسعار المحروقات؟

رغم جاذبية السيارات الكهربائية في ظل ارتفاع كلفة البنزين، فإن شراء سيارة كهربائية لا يعني بالضرورة تحقيق وفر فوري. فالمقارنة الاقتصادية الصحيحة لا تقتصر على سعر الوقود، بل تشمل سعر شراء السيارة، وكلفة الشحن، والصيانة، والتأمين، والضرائب والرسوم، وقيمة إعادة البيع. وتختلف النتيجة من مستخدم إلى آخر. فالشخص الذي يقطع مسافات طويلة بصورة يومية ويستطيع الشحن في المنزل قد يستفيد من وفر أكبر، من شخص يستخدم سيارته لمسافات قصيرة أو يعتمد حصراً على محطات الشحن العامة. كما أن إحتساب كلفة الكهرباء في لبنان يتطلب التمييز بين الشحن من شبكة كهرباء متاحة بسعر مناسب، والشحن عبر مولّد خاص، والشحن بإستخدام منظومة طاقة شمسية وبطاريات تخزين. فلكل خيار كلفة مختلفة، وقد يتغيّر الوفر المتوقع تبعاً له. لذلك، لا بدّ من إجراء مقارنة فعلية بين كلفة تشغيل السيارة الكهربائية والسيارة التقليدية، استناداً إلى المسافة المقطوعة يومياً وأسعار الطاقة المتاحة، بدلاً من افتراض أن السيارة الكهربائية هي دائماً الخيار الأرخص.

سعر الشراء والبطارية وإعادة البيع… تحديات أمام المستهلك

على الرغم من التوفير المحتمل في التشغيل، لا تزال القدرة الشرائية تشكّل عائقاً أمام شريحة واسعة من اللبنانيين. فقد أشار الدليل التجاري الأميركي إلى أن المستهلك اللبناني يميل إلى السيارات المستعملة الأقل سعراً، في ظل الضغوط الاقتصادية ومحدودية خيارات التمويل. وتزداد أهمية هذه المسألة في سوق السيارات الكهربائية، حيث يتعين على المشتري تقييم كلفة السيارة الأولية إلى جانب حالة البطارية وعمرها وصحتها، والضمان المتاح، وتوافر قطع الغيار ومراكز الصيانة المتخصصة.

أما بالنسبة إلى السيارات الكهربائية المستعملة، فمن الضروري فحص البطارية بواسطة جهة فنية مؤهلة، والتأكد من سجل الصيانة والحوادث، والتحقق من توافر قطع الغيار وإمكان تحديث الأنظمة الإلكترونية. كذلك، فإن قيمة إعادة البيع ومدى استعداد السوق المستعملة لشراء هذه السيارات يظلان عاملين أساسيين في القرار.

لا يقتصر نمو سوق السيارات الكهربائية على بيع السيارات، بل يفتح المجال أمام فرص تجارية مرتبطة باستيراد السيارات، وتركيب محطات الشحن، وصيانة البطاريات، وتوفير قطع الغيار، وخدمات الفحص الفني، وحلول الطاقة الشمسية المخصصة للشحن المنزلي والتجاري.

لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب أكثر من استيراد طرازات جديدة. فنجاح السوق يرتبط بوجود خدمات ما بعد البيع، وضمانات واضحة، وفنيين متخصصين، وتوافر قطع الغيار، إلى جانب بنية تحتية موثوقة للشحن. كما أن توسّع السوق يحتاج إلى سياسات مستقرة وواضحة في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، والضرائب والمعايير الفنية والسلامة، فضلاً عن تشجيع الاستثمار في محطات الشحن والطاقة المتجددة. وفي هذا السياق، تتضمن خطة العمل الوطنية للطاقة المتجددة في لبنان للفترة 2025–2030 توجهاً لدمج التنقّل الكهربائي ضمن التحوّل في قطاع الطاقة، وتسلّط الضوء على دور الطاقة الشمسية في خفض كلفة الكهرباء اللازمة للشحن وتخفيف الضغط على الشبكة.

هل تصبح السيارات الكهربائية بديلاً واسع الانتشار في لبنان؟

تشير المعطيات المُتاحة إلى أن سوق السيارات الكهربائية في لبنان بدأت تستقطب اهتماماً متزايداً، وأن نمو مبيعاتها خلال عام 2026 يتجاوز نمو سوق السيارات عموماً. إلا أن هذا التطور لا يكفي وحده للقول إن السيارات الكهربائية ستصبح الخيار المهيمن في المدى القريب.

فإرتفاع أسعار المحروقات قد يعزّز جاذبيتها، لكن مستقبلها سيعتمد على قدرة السوق على توفير سيارات بأسعار مناسبة، وخدمات صيانة موثوقة، وبطاريات ذات ضمانات واضحة، وشبكة شحن عملية، وكهرباء منخفضة الكلفة نسبياً. وفي ظل هذه المعطيات، قد تشكّل السيارات الهجينة خياراً أكثر ملاءمة لبعض المستهلكين في المرحلة الانتقالية، فيما تصبح السيارات الكهربائية بالكامل أكثر جاذبية لمن تتوافر لديهم إمكانية الشحن المنزلي أو الشحن في أماكن العمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى