بريد القراء

الطبقة الوسطى في لبنان… حين يصبح العمل عاجزاً عن تأمين الحياة الكريمة

بقلم: علي محمد سعيد
خبير محاسبة مجاز

ليست الطبقة الوسطى مجرّد فئة اجتماعية تقع بين الغنى والفقر، بل هي إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المجتمعات وتوازن اقتصاداتها. فمن الموظف والمعلم، إلى الطبيب والمهندس والمحاسب والمحامي، وصولاً إلى أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، تتشكّل هذه الطبقة من أشخاص يعتمدون على عملهم وكفاءتهم لتأمين حياة كريمة، وتعليم أبنائهم، والحصول على الرعاية الصحية، والادخار للمستقبل.
وتكمن أهميتها في دورها الحيوي في تحريك الأسواق، وتنشيط الاستهلاك، ودعم المؤسسات، والمساهمة في الإيرادات العامة من خلال الضرائب، فضلاً عن كونها مصدراً أساسياً للخبرات والكفاءات التي يحتاج إليها أي اقتصاد منتج. كما تشكّل جسراً للصعود الاجتماعي، إذ تمنح الأفراد أملاً بأن التعليم والعمل والاجتهاد يمكن أن تقودهم إلى حياة أفضل.
لذلك، فإن قوة الطبقة الوسطى ليست مجرّد علامة على الرفاه، بل مؤشر على سلامة البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. وعندما تتراجع هذه الطبقة، لا يقتصر الضرر على مستوى معيشة أفرادها، بل يمتدّ إلى المؤسسات والإنتاج والاستثمار والاستقرار الاجتماعي.
في لبنان، تبدو هذه الحقيقة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فمنذ الانهيار المالي والنقدي الذي بدأ عام 2019، شهدت البلاد تحوّلات عميقة أصابت مختلف الفئات الاجتماعية، وكانت الطبقة الوسطى من أبرز المتضرّرين منها. ولم تعد الأزمة مجرّد ارتفاع في الأسعار أو تراجع في القدرة الشرائية، بل تحوّلت إلى أزمة في الأمان المعيشي وفي قدرة المواطن على التخطيط لمستقبله.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحوّل. فبحسب البنك الدولي، ارتفعت نسبة الفقر النقدي في المناطق اللبنانية التي شملها المسح من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، وفق تقرير صدر عام 2024. كما قدّر البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان انكمش بنحو 40% بصورة تراكمية منذ عام 2019 حتى نهاية عام 2024. وهذان المؤشران، وإن كانا لا يقيسان حجم الطبقة الوسطى بصورة مباشرة، فإنهما يقدّمان دليلاً واضحاً على عمق الأزمة الاقتصادية واتساع الضغوط المعيشية.
ولعلّ أبرز مظاهر هذه الأزمة هو التراجع الكبير في القيمة الفعلية للرواتب التي كانت تُدفع بالليرة اللبنانية. فالموظف الذي كان يستطيع، ضمن حدود دخله، تأمين احتياجات أسرته ودفع أقساط التعليم وتغطية نفقات السكن والاستشفاء، بات كثيراً ما يجد نفسه أمام معادلة صعبة: دخل لا يواكب النفقات، والتزامات لا يمكن تأجيلها، ومدّخرات تتآكل مع مرور الوقت.
ولم يعد التعليم، الذي شكّل على مدى عقود إحدى أهم وسائل التقدّم الاجتماعي في لبنان، ضمانة كافية لتحسين مستوى المعيشة. فقد أصبحت الأقساط المدرسية والجامعية وتكاليف النقل والكتب عبئاً متزايداً على العائلات، فيما تحوّلت نفقات العلاج والأدوية والاستشفاء إلى مصدر قلق دائم لدى أسر كانت تعتبر الاستقرار الصحي أمراً يمكن تأمينه من خلال العمل والادخار.
أما السكن، وهو أحد أبرز مقوّمات الاستقرار الأسري، فقد أصبح أكثر صعوبة في ظل ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد امتلاك منزل أو تكوين مدّخرات للمستقبل هدفاً قريب المنال، بل حلماً مؤجلاً تفرض الظروف الاقتصادية إعادة النظر فيه باستمرار.
ولا تقتصر الأزمة على الموظفين وأصحاب المهن الحرة، بل تطال أيضاً أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الذين يشكّلون جزءاً أساسياً من الاقتصاد اللبناني. فارتفاع التكاليف، وصعوبة التمويل، وتراجع القدرة الشرائية لدى المستهلكين، كلها عوامل تزيد صعوبة الاستمرار والتوسّع، وقد تدفع بعض المؤسسات إلى تقليص نشاطها أو إقفال أبوابها. وعندما تتراجع هذه المؤسسات، لا يخسر أصحابها وحدهم، بل تتأثر معها فرص العمل ودخول العاملين وحركة الأسواق.
ومن أكثر المؤشرات إثارة للقلق اضطرار بعض الأسر إلى استنزاف مدّخراتها أو بيع أصول امتلكتها على مدى سنوات لتغطية نفقات المعيشة والتعليم والعلاج. فالمدّخرات التي يفترض أن تشكّل شبكة أمان في مواجهة الأزمات تتحوّل، في هذه الحالة، إلى وسيلة لتأمين الحاجات اليومية، فيما تتراجع قدرة الأسرة على الاستثمار في مستقبل أبنائها.
وتنعكس هذه الظروف أيضاً على الهجرة. فعندما لا يجد أصحاب الكفاءات والخبرات فرصاً تتناسب مع مؤهلاتهم، أو يشعرون بأن دخلهم لم يعد يوفّر الحد الأدنى من الاستقرار، يصبح البحث عن فرص خارج لبنان خياراً جدياً. وهكذا، لا يخسر البلد جزءاً من طاقاته البشرية فحسب، بل يخسر أيضاً خبرات يحتاج إليها لإعادة بناء مؤسساته وتحريك اقتصاده.
والأخطر من كل ذلك هو تراجع الثقة بقيمة العمل نفسه. فعندما يصبح الموظف عاجزاً عن تأمين احتياجات أسرته رغم التزامه بوظيفته، ويجد صاحب المؤسسة نفسه أسيراً للنفقات بدل أن يكون قادراً على خلق فرص العمل، يشعر المواطن بأن الاجتهاد لم يعد كافياً لضمان مستقبل أفضل.
هذه ليست مشكلة فردية، بل أزمة تطال العلاقة بين العمل والإنتاج والاستقرار الاجتماعي. فالاقتصاد الذي لا يستطيع فيه العاملون بناء قدر من الأمان من خلال دخلهم، يواجه تحدياً يتجاوز المؤشرات المالية إلى الثقة بالمؤسسات وبإمكانية التقدّم داخل الوطن.
إن تراجع الطبقة الوسطى يخلق حلقة اقتصادية واجتماعية سلبية: تنخفض القدرة الشرائية، فتتراجع مبيعات المؤسسات، وتضيق فرص العمل، وينخفض دخل الأسر، فتتقلّص قدرتها على الاستهلاك مجدداً. ومع اتساع هذه الحلقة، تصبح استعادة النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة، ويزداد التفاوت بين الفئات الاجتماعية.
من هنا، فإن إنقاذ الطبقة الوسطى في لبنان لا يمكن أن يتحقق من خلال إجراءات مؤقتة أو زيادات ظرفية في الأجور وحدها. بل يتطلّب مساراً إصلاحياً متكاملاً يبدأ باستعادة الاستقرار النقدي والمالي، ويمرّ بتعزيز الإنتاج والاستثمار، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير فرص عمل منتجة، وتحسين الخدمات العامة، ولا سيما التعليم والاستشفاء والنقل والكهرباء.
كما يتطلّب نظاماً ضريبياً أكثر عدالة وفعالية، وإدارة عامة شفافة، ومؤسسات قادرة على تطبيق القوانين وحماية الحقوق، بما يعيد بناء الثقة ويمنح الأفراد والشركات القدرة على التخطيط للمستقبل.
ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف بين ليلة وضحاها، لكن تأجيلها يزيد كلفة الأزمة على المجتمع والاقتصاد معاً. فاستعادة الطبقة الوسطى ليست نتيجة ثانوية ننتظرها بعد التعافي، بل هي أحد الشروط الأساسية لتحقيقه.
في المحصّلة، لا يُقاس نجاح الدول بثروات أغنيائها وحدها، ولا بحجم المساعدات التي تقدّمها لفقرائها، بل أيضاً بقدرة مواطنيها العاملين والمنتجين على العيش بكرامة، وتعليم أبنائهم، والحصول على العلاج، والادخار للمستقبل.
وحين يصبح الاجتهاد طريقاً إلى العجز، والعمل مصدراً للقلق، والشهادة عبئاً بدل أن تكون فرصة، فإن الأزمة لا تعود أزمة دخل فحسب، بل تصبح أزمة في توازن المجتمع ومستقبله.
إن الطبقة الوسطى ليست ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة وطنية واقتصادية. وإنقاذها ليس دفاعاً عن فئة بعينها، بل دفاع عن حق المجتمع اللبناني في اقتصاد منتج، وفرص عادلة، وحياة كريمة. فلبنان الذي يريد استعادة عافيته لا يحتاج إلى إنعاش اقتصاده فحسب، بل إلى إعادة بناء الطبقة التي تمنح هذا الاقتصاد استقراره، وتمنح المجتمع ثقته بالمستقبل.
المراجع: البنك الدولي، تقرير تقييم الفقر والإنصاف في لبنان لعام 2024، والتقارير الاقتصادية الخاصة بلبنان لعام 2024.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى