خطة 2026–2027… حين تلتقي الشراكة مع احتياجات المخيمات الفلسطينية في لبنان
بقلم- الكاتب سليم الشعاعي
لم تأتِ خطة العمل المتجددة للبرنامج الفلسطيني لليونيسف للعامين 2026–2027 في فراغ، ولا بمعزل عن الواقع الذي يعيشه أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان بل إنها تأتي في لحظة تحتاج فيها المخيمات والتجمعات الفلسطينية إلى استجابة أكثر قرباً من الإنسان وأكثر التصاقاً باحتياجات الأطفال والشباب والأسر وأكثر قدرة على تحويل التعاون اللبناني والفلسطيني والأممي إلى نتائج ملموسة على الأرض ، ومن هنا فإن أهمية الخطة لا تكمن فقط في كونها إطاراً للتعاون بين لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني وسفارة دولة فلسطين واليونيسف والأونروا، وإنما في قدرتها على أن تكون أداة عملية للاستجابة لاحتياجات المخيمات الفلسطينية، ووضع الطفل الفلسطيني في قلب هذه الاستجابة.
المخيمات الفلسطينية… حيث تبدأ الأولويات
في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان تتداخل الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية بصورة تجعل من الصعب فصل ملف عن آخر فالطفل الذي يحتاج إلى الرعاية الصحية هو نفسه الذي يحتاج إلى حماية وتعليم وبيئة آمنة والأسرة التي تواجه ضغوطاً معيشية تحتاج في الوقت ذاته إلى خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية أكثر قدرة على الاستجابة لواقعها ، ولهذا، فإن أي خطة تستهدف الأطفال والشباب الفلسطينيين لا يمكن أن تنجح ما لم تنطلق أولاً من الواقع الفعلي للمخيمات والتجمعات الفلسطينية ومن فهم تفاصيل الحياة اليومية لأبناء شعبنا، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة واحتياجاً ، وهنا تكتسب خطة 2026–2027 معناها الحقيقي باعتبارها فرصة لتوجيه الجهود والموارد نحو الأولويات التي تمس حياة الناس مباشرة وتعزيز البرامج التي تصل إلى الأطفال والشباب والأسر حيث يعيشون وتوفير استجابة أكثر انتظاماً واستدامة للاحتياجات المتغيرة.
الطفل الفلسطيني في المخيم… الأولوية الأولى
إن وضع الطفل الفلسطيني في صدارة الخطة يعني التعامل مع مجموعة مترابطة من الأولويات: الصحة والتعليم والحماية والدعم الاجتماعي والرفاه والبيئة الآمنة، والوصول إلى الخدمات الأساسية ، فالطفولة الفلسطينية في المخيمات لا تحتاج إلى شعارات بل إلى برامج يشعر الطفل بنتائجها في مدرسته وبيته ومجتمعه إلى خدمات صحية أكثر فاعلية وحماية من المخاطر ودعم لأسرته وفرص تعليمية تساعده على بناء مستقبله ، ومن هنا يصبح الاستثمار في الطفل استجابة مباشرة لواقع المخيمات وليس مجرد توجه تنموي عام.
سفارة دولة فلسطين في لبنان … متابعة احتياجات أبناء شعبنا
وفي هذا السياق، يأتي حضور سفارة دولة فلسطين في لبنان ودورها في متابعة قضايا أبناء شعبنا ليؤكد أن الاهتمام بالإنسان الفلسطيني يبدأ من الاستماع إلى احتياجاته والوقوف إلى جانب قضاياه اليومية ، ويشكل اهتمام السفير الدكتور محمد الأسعد بأوضاع أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان ولا سيما الأطفال والشباب وسكان المخيمات والتجمعات الفلسطينية جزءاً مهماً من هذا المسار حيث تبرز أهمية إبقاء الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية للفلسطينيين حاضرة في دائرة الاهتمام والتنسيق مع الجهات اللبنانية والدولية المعنية ، فالمخيمات ليست مجرد أماكن تحتاج إلى برامج بل مجتمعات فلسطينية لها احتياجاتها وخصوصيتها وأبناؤها يحتاجون إلى أن تكون السياسات والخطط أكثر التصاقاً بواقعهم وأكثر قدرة على الاستجابة لتحدياتهم ، ومن هنا فإن مشاركة السفارة في خطة العمل ليست مشاركة بروتوكولية بل تحمل دلالة على أهمية إيصال صوت أبناء شعبنا واحتياجاتهم إلى الشراكة اللبنانية والأممية وتحويل هذه الاحتياجات إلى أولويات قابلة للمعالجة ضمن الإمكانات المتاحة.
من الصحة إلى التعليم… احتياجات مترابطة
إن التحديات التي تواجه الأطفال في المخيمات لا يمكن اختزالها في قطاع واحد فالصحة مرتبطة بالتعليم، والتعليم مرتبط بالاستقرار الأسري والاجتماعي، والحماية مرتبطة بتوفير بيئة آمنة، وكل ذلك يرتبط بقدرة الأسرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية ، ولهذا فإن المقاربة المتكاملة التي تقوم عليها الخطة تفتح المجال أمام استجابة أكثر شمولاً بحيث لا يتم التعامل مع الطفل كحالة منفردة، بل ضمن أسرته ومجتمعه والبيئة التي يعيش فيها ، وهذا تحديداً ما تحتاجه المخيمات: تكامل الخدمات بدلاً من تجزئتها وتكامل الجهود بدلاً من تكرارها وتوجيه الموارد إلى الأولويات الأكثر إلحاحاً.
من الخطة إلى أثر يُلمس في المخيمات الفلسطينية. في لبنان
القيمة الحقيقية لخطة 2026–2027 ستظهر عندما تنتقل من مستوى التوقيع إلى مستوى التنفيذ، ومن الوثائق إلى حياة الناس ، فالنجاح الحقيقي هو أن يشعر الطفل بأن الخدمات أصبحت أقرب إليه وأن تجد الأسرة استجابة أفضل لاحتياجاتها وأن يحصل الشباب على مساحة أكبر من الدعم والفرص وأن تصبح الحماية والرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي أكثر قدرة على الوصول إلى الفئات التي تحتاج إليها ، وهنا تكمن أهمية استمرار التنسيق بين السفارة الفلسطينية ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني واليونيسف والأونروا بما يسمح بتحديد الأولويات بصورة أكثر دقة، ومتابعة تنفيذها وقياس أثرها، وتطويرها وفقاً للتحولات التي يشهدها واقع المخيمات.
المخيمات ليست هامشاً… بل نقطة الانطلاق
إن قراءة الخطة من زاوية احتياجات المخيمات تقود إلى حقيقة أساسية: لا يمكن بناء استجابة فلسطينية إنسانية فعالة في لبنان من دون أن يكون صوت المخيمات حاضراً في تحديد الأولويات ، فالمخيم هو المكان الذي تظهر فيه الاحتياجات بصورة مباشرة وهو أيضاً المكان الذي تتجسد فيه قدرة أبناء شعبنا على الصمود والتكافل والحفاظ على الهوية الفلسطينية ، ولهذا فإن تعزيز الخدمات المقدمة للأطفال والشباب والأسر في المخيمات لا يمثل فقط استجابة إنسانية بل يشكل دعماً لصمود المجتمع الفلسطيني بأكمله.
الخطة تبدأ من المخيم وتنتهي عند الطفل
في النهاية، فإن خطة العمل المتجددة للعامين 2026–2027 يمكن أن تُقرأ باعتبارها خطة تستمد أهميتها من قدرتها على الاقتراب من المخيمات، ومن الإنسان الفلسطيني الذي يعيش فيها ، فكل بند يتعلق بصحة الطفل أو حمايته أو تعليمه وكل برنامج يستهدف الشباب أو الأسرة يجب أن يجد طريقه إلى حيث توجد الحاجة الحقيقية.
وهنا تبرز المسؤولية المشتركة: مسؤولية فلسطينية في متابعة قضايا أبناء شعبنا، ومسؤولية لبنانية في تعزيز التعاون، ومسؤولية أممية في توفير البرامج والخبرات والدعم، بحيث تتكامل الأدوار لخدمة الإنسان الفلسطيني ، إن المخيمات الفلسطينية في لبنان لا تحتاج فقط إلى خطط تُكتب، بل إلى خطط تُترجم إلى أفعال ولا يحتاج الطفل الفلسطيني إلى وعود بعيدة، بل إلى حماية ورعاية وتعليم وصحة وفرصة حقيقية لبناء مستقبله ، ومن هذه الزاوية، يصبح توقيع خطة 2026–2027 أكثر من مناسبة رسمية يصبح رسالة بأن احتياجات المخيمات يجب أن تبقى حاضرة، وأن الطفل الفلسطيني يجب أن يبقى في قلب الأولويات وأن صمود أبناء شعبنا يبدأ من صون كرامتهم وتحسين ظروف حياتهم ، فحين تبدأ الخطة من احتياجات المخيم فإن وجهتها الطبيعية تكون الإنسان… وحين يكون الطفل الفلسطيني هو نقطة البداية يصبح المستقبل هو الهدف.



