أمن وقضاء

“FOXTROT” في لبنان… جريمة عرمون تكشف شبكة قتل عابرة للحدود!

“ليبانون ديبايت”

رصاصة أُطلقت فجراً في عرمون لم تبقَ حادثة سلب عادية كما قُدّمت في الساعات الأولى. خلف المصاب كانت هوية عراقية مزورة، ونشرة حمراء صادرة عن الإنتربول، وشبكة إجرامية تنشط بين السويد والدنمارك وهولندا وتركيا والعراق وإيران. ومع تحليل الهواتف والاتصالات والتحويلات بالعملات الرقمية، ظهر اسم “FOXTROT NETWORK”، إحدى أبرز شبكات الجريمة المنظمة في السويد، في قلب تحقيق قضائي وأمني لبناني شديد الحساسية.

وتضم لائحة الملاحقين 4 أسماء لكل واحد منها موقع مختلف في الملف: حسن قانصوه، اللبناني السويدي الموقوف والمشتبه بأنه حلقة أساسية في لبنان؛ سامر محمد خير علي قاسم، الأردني السويدي المتواري والذي ربطته التحقيقات بقانصوه وبالشبكة؛ روى مجيد، العراقي السويدي التركي الذي يصفه التحقيق بأنه المسؤول الأول في “FOXTROT” ومصدر تحويلات مالية مشفرة؛ والسويدي Lars Joakim Palmkuist، الذي ظهر في المراسلات المتعلقة بتعقب مصير الضحية والتأكد من وفاته.

بدأت القصة فجر 18 تشرين الأول 2025، عندما تعرض ياسر عادل عبد العزيز، المعروف بلقب “بنتلي”، لإطلاق النار في عرمون على يد 3 مسلحين ملثمين، بالتزامن مع سلبه مبلغ 5000 دولار. نُقل المصاب إلى مستشفى هارون، لكنه استخدم هوية عراقية مزورة باسم حسن أديب محمد علي، وقال إنه تعرض لمحاولة سلب ولا يرغب في الادعاء على أحد، طالباً العلاج والعودة إلى بلده.

لكن الرجل لم يكن عراقياً، بل سوري سويدي من مواليد 1999، ومطلوب بموجب نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول في قضية قتل شخصين وحرقهما في السويد. وبحسب التحقيق، كان يتحرك في لبنان باسم مستعار ووثائق مزورة، ويتواصل مع أشخاص مرتبطين بعالم العصابات السويدية.

بعد نحو شهرين، وتحديداً في 16 كانون الأول 2025، عُثر على عبد العزيز فاقداً للوعي في مستشفى جبل عامل، بعدما نقله الصليب الأحمر اللبناني. وأظهرت التقارير إصابته بالتهاب السحايا والتهاب رئوي والتهاب في المسالك وانخفاض مستوى الوعي، إلى جانب آثار الإصابة النارية القديمة في النخاع الشوكي. وفي 25 كانون الأول، توفي داخل المستشفى.

هنا تغيّر مسار القضية. ففي 16 كانون الثاني 2026، تلقت الأجهزة اللبنانية معلومات من السلطات السويدية تفيد بأن عائلة عبد العزيز تخطط للانتقام من حسن قانصوه، للاشتباه بدوره في إطلاق النار. كما أشارت المعلومات إلى أن قانصوه ينتمي إلى “FOXTROT NETWORK”.

تولت المحامي العام التمييزي القاضية سمرندا نصار متابعة الملف، وأعطت إشاراتها إلى المجموعة الخاصة في وحدة الشرطة القضائية لتتبع حركة قانصوه، وتحليل اتصالاته وهواتفه ومواقعه الجغرافية، والتدقيق في تحركات الأشخاص المرتبطين به. وبعدما تبين أنه موجود في لبنان ويتنقل بصورة ناشطة بينه وبين تركيا، صدر بحقه بلاغ بحث وتحر دائم لمنعه من المغادرة وتوقيفه.

أما سامر محمد خير علي قاسم، مواليد 2001، فدخل التحقيق بصفته صديقاً مقرباً من قانصوه وشخصاً قال الأخير بنفسه إنه ينتمي إلى “FOXTROT”. وأظهرت داتا الاتصالات وجود تواصل بين أرقام مرتبطة به وبقانصوه. وكان سامر قد غادر لبنان إلى الأردن قبل الحادثة، إلا أن التحقيق وضعه ضمن دائرة الاشتباه واعتبره جزءاً من المجموعة الملاحقة.

في 16 تموز 2026، أوقف الأمن العام حسن قانصوه في مطار رفيق الحريري الدولي أثناء محاولته السفر إلى إيران عبر العراق. وضُبطت بحوزته جوازات سفر لبنانية وسويدية، وهوية سويدية، وهاتفان، ومبلغ 2800 دولار. كما تسلم التحقيق بندقية كلاشينكوف مع 33 طلقة ومسدسين، إلى جانب رخصة حمل سلاح أبرزها الموقوف.

وخلال استجوابه بحضور وكيله، قدّم قانصوه صورة واضحة عن خلفيته. فأقرّ بأنه يتاجر بالمخدرات في السويد وأنها مصدر رزقه، وقال إن سجله العدلي السويدي يتضمن 44 جرماً، بينها المخدرات وحيازة الأسلحة والتزوير والنصب والاحتيال والتخطيط والأمر بالقتل واستخدام الهواتف المشفرة. لكنه نفى بصورة قاطعة أي علاقة له بإطلاق النار على عبد العزيز.

وقال قانصوه إنه تعرف إلى “بنتلي” في لبنان عبر شخص يدعى يوسف، وصفه بأنه مرتبط بـ”FOXTROT” وغادر لاحقاً إلى الدنمارك حيث أوقف في قضايا قتل. وأقرّ بأن عبد العزيز بات في منزله سابقاً، وأن التواصل بينهما كان يتم عبر “سناب شات”، لكنه قال إنه لم يكن يثق به ولم تكن بينهما علاقة صداقة.

إلا أن التحليل الفني وضع هذه الرواية أمام مجموعة من الوقائع. فقد أظهرت حركة هاتف قانصوه تنقله يومي 17 و18 تشرين الأول 2025 بين الشياح والحازمية والرملة البيضاء والضاحية وطريق المطار وعرمون. وظهر هاتفه في عرمون قرابة الساعة الثالثة فجراً، قبل انتقاله نحو البقاع عند الرابعة فجراً، في توقيت قريب من حادثة إطلاق النار.

كما كشف فحص الهاتف حصول اتصال عبر “سناب شات” بين قانصوه وعبد العزيز عند الساعة 2:54 فجراً. وعُثر على تسجيل مصور محذوف التُقط عند الساعة 4:30 فجراً داخل سيارة، ظهر فيه قانصوه متحدثاً باللغة السويدية عن تغيير الإطارات. وأقرّ بأن الصوت صوته، لكنه قال إنه لا يتذكر سبب تسجيل الفيديو أو وجهته في تلك الساعة.

وأظهرت حركة الاتصالات تزامن تنقل هاتف آخر مع هاتف قانصوه، وتبين أن الرقم يعود إلى صديقه ذو الفقار قانصوه، الذي رجح الموقوف بنسبة 90% أنه كان برفقته في منتجع خلال الساعات التي سبقت الحادثة. إلا أن ذو الفقار لم يرد ضمن لائحة المدعى عليهم في المعطيات المتاحة، وبقي اسمه جزءاً من الخيط الفني الذي عمل المحققون على تفكيكه.

أما روى مجيد، فيظهر في الملف بوصفه المسؤول الأول عن تنظيم “FOXTROT”، وفق ما ورد في التحقيق وإفادة قانصوه نفسه. وتوصل تحليل الهاتف إلى وجود تحويلات مالية بالعملة الرقمية من محفظة نُسبت إلى مجيد باتجاه قانصوه بعد الحادثة. وقال الأخير إن الأمر طبيعي بين صديقين، وإن مجيد أرسل إليه 3000 دولار لمساعدته قبل سفره إلى إيران. وتشير المعطيات إلى وجود مجيد في إيران، وقد شمله الادعاء بصفته متوارياً.

وتكشف المراسلات وجهاً آخر للقضية. فقد طلب قانصوه من Lars Joakim Palmkuist مساعدته في تحديد مكان عبد العزيز والتأكد من وفاته، وأرسل إليه حساب الضحية على “سناب شات” وصورة لقبره، كما ألحّ على استخدام فحص الحمض النووي للتأكد من أن الوفاة ليست مزورة.

وقال قانصوه إن Palmkuist صحافي سويدي يعرفه منذ عام 2008، وإن هدفه كان التثبت من وفاة رجل مطلوب دولياً. لكن النيابة العامة شملت Palmkuist بالادعاء بجرائم القتل وتأليف جمعية بقصد ارتكاب الجنايات. ولا تكشف الأوراق المتاحة بالتفصيل طبيعة الفعل التنفيذي المنسوب إليه، خارج المراسلات ودوره في تعقب مصير الضحية، وهو ما يفترض أن يتضح خلال التحقيق القضائي اللاحق.

وعُثر أيضاً في هاتف قانصوه على صورة لحساب “سناب شات” استخدمه عبد العزيز، وعلى صور لوجهه بعد وفاته، ونشاط داخل مجموعة تحمل اسم “Warzone” بعيد الحادثة. كما أظهرت التحقيقات أنه كان يتابع بصورة لافتة مسألة موت عبد العزيز، ويطلب تأكيد الوفاة ويبحث في احتمال أن يكون قد زوّر موته هرباً من الملاحقة الدولية.

وعندما وُوجه بهذه الوقائع، كرر قانصوه أنه لا يتذكر تفاصيل يوم الحادثة، ولا أسباب الاتصالات والمراسلات والتحركات، ولا سبب انتقاله إلى البقاع فجراً، نافياً أن يكون أطلق النار على عبد العزيز أو شارك في قتله.

وبعد إقفال التحقيقات الأولية، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على حسن قانصوه، الموقوف، وعلى سامر محمد خير علي قاسم وروى مجيد وLars Joakim Palmkuist، المتوارين، إضافة إلى كل من يظهره التحقيق.

وشمل الادعاء قتل ياسر عبد العزيز عمداً بإطلاق النار عليه من أسلحة حربية غير مرخصة، وتأليف جمعية بقصد ارتكاب الجنايات، سنداً إلى المواد 549 و335 و639 و640 من قانون العقوبات والمادة 72 أسلحة، مع توقيف قانصوه وجاهياً وملاحقة الآخرين غيابياً.

وتبقى الاتهامات رهن التحقيق والمحاكمة، إلا أن الوقائع التي جُمعت حتى الآن تظهر أن ما جرى في عرمون لم يكن حادثاً محلياً معزولاً. فالضحية مطلوب دولياً ويتحرك بهوية مزورة، والموقوف صاحب سجل حافل في السويد، والتحويلات تقود إلى اسم وُصف بأنه قائد “FOXTROT”، فيما تمتد الاتصالات والملاحقات من أوروبا إلى إيران مروراً بلبنان. إنها جريمة قتل واحدة، لكنها فتحت أمام القضاء اللبناني باباً على عالم كامل من الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى