الواقع الاقتصادي يضغط على حياة اللبنانيين ويسرّع الانهيار: المازوت والخبز أول المؤشرات

شهدت الساعات التي تلت تجديد الثقة النيابية بحكومة الرئيس نواف سلام المزيد من التدهور المعيشي والاقتصادي مع رفع سعر الخبز، وتجاوز سعر صفيحة المازوت ال30 دولارا ما يعني ارتفاعا تلقائيا لفاتورة الكهرباء، وكذلك مختلف السلع الاساسية في البلاد دون ان تلوح في الافق اي حلول للمشاكل المتفاقمة التي تزداد سوءا بفعل غياب الخطط الحكومية، بغياب الرقابة، وتدني قيمة الرواتب، وازدياد التضخم، في وقت تتجه التطورات الامنية في المنطقة نحو التصعيد.
وفي تطور، رأت فيه مصادر اقتصادية مقدمة للمزيد من الغلاء وارتفاع الاسعار، في غياب اي ضوابط ورقابة حكومية، اعلن نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس ان صفيحة المازوت الديزل ستلحق بزميلتها صفيحة البنزين وتتخطى حاجز الـ٣٠ دولارا اليوم الجمعة، بسبب التصعيد العسكري في الخليج العربي والبحر الأحمر والحرب الروسية الأوكرانية.
تزامنًا، وتطبيقًا لآلية التسعير المعتمدة منذ سنوات، والتي تحتسب بصورة دورية الكلفة الفعلية لمكوّنات إنتاج الخبز، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة قرارا بتعديل سعر ربطة الخبز اللبناني الأبيض من الحجم الوسط في صالات الأفران من 75,000 إلى 80,000 ليرة لبنانية، أي بزيادة قدرها 5,000 ليرة.
وكتبت” الاخبار”:مع تخطّي سعر صفيحة البنزين الـ30 دولاراً، انطلق السائقون العموميون نحو خطوات تصعيدية سبقها رفع تعرفة أجرة الراكب إلى 400 ألف ليرة بعدما كانت 300 ألف. والتعرفة الجديدة لم تصدر عن الجهات المعنية ولا تحظى بغطاء نقابي، بل يفرضها سائقون بالأمر الواقع، ربطاً بارتفاع سعر البنزين الذي يمثّل الكلفة الأكبر في تشغيل سياراتهم. هكذا، يجد السائقون أنفسهم، مجدّداً، أمام الحلّ الأسهل الذي تركته لهم الدولة وهو تحميل ارتفاع سعر الصفيحة لـ«جيبة» الراكب. هذه ليست المرّة الأولى التي تسلك فيها الدولة هذا الاتجاه الذي يعفيها من مسؤولياتها فتنسحب تاركة مواطنين تآكلت مداخيلهم يتنازعون في ما بينهم على توزيع كلفة أزمة لم يصنعوها.
وتكفي العودة إلى أثر التعرفة الجديدة على الموظف لتبيان حجم الكارثة الجديدة. فمن يحتاج إلى أكثر من «سرفيس» ذهاباً وإياباً قد تصل كلفة انتقاله إلى نحو 10 دولارات يومياً، أي نحو 220 دولاراً شهرياً على أساس 22 يوم عمل. وهذا يعادل أكثر من 70% من الحد الأدنى للأجور الذي لا يتجاوز 312 دولاراً. بمعنى آخر، قد تبتلع كلفة الوصول إلى العمل والعودة منه وحدها معظم الحدّ الأدنى للأجور، قبل احتساب الطعام والسكن والكهرباء وسائر نفقات المعيشة. وكل زيادة على المحروقات تصبح، في ظل غياب شبكة نقل عام فعلية، اقتطاعاً مباشراً من أجور من لا يملكون بديلاً عن سيارات الأجرة للوصول إلى أعمالهم.
لكن أزمة التعرفة الحالية ليست وليدة ارتفاع سعر البنزين وحده، بل نتيجة مسار سبق أن حاولت الدولة «ترويضه» من دون أن تعالجه. ففي شباط الماضي، قرّرت اتحادات وروابط عمالية نقل المواجهة إلى الشارع اعتراضاً على القرارات الحكومية برفع الضرائب. إلا أن المواجهة انتهت قبل أن تبدأ فعلياً، على طاولة التفاوض، حيث «ميدان» الدولة الرابح دوماً. حينها، عُقد لقاء بين نقابات النقل ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير المال ياسين جابر، خرج منه رئيس اتحادات ونقابات النقل البري بسام طليس بتعهّد بِمنح كل سائق عمومي شرعي يعمل على البنزين مساعدة شهرية بقيمة 12 مليون ليرة، في مقابل الإبقاء على التعرفة وعدم تحميل الركاب زيادة جديدة. وكان الوعد كافياً لتعليق التحرك. لكن، «عالوعد يا كمون»، بقيت الـ12 مليون ليرة حبراً على ورق.
إذاً، اشترت الدولة في شباط هدوء الشارع بوعد لم تنفّذه، ثم انسحبت من المعادلة. واليوم، السائق يريد حماية دخله، والراكب يريد حماية راتبه، والاتحاد لا يستطيع إعطاء شرعية لتعرفة الـ400 ألف ولا مُطالبة السائقين بالاستمرار في التعرفة القديمة. وحدها الدولة لا تدفع شيئاً. تركت السائق والراكب يتنازعان على كل 100 ألف ليرة إضافية، بعدما كان يُفترض بها أن تتحمّل جزءاً من الكلفة. والمشكلة ليست في الـ100 ألف بحدّ ذاتها، بل في تراكمها يومياً وتحوّلها في نهاية الشهر إلى فاتورة قد تلتهم معظم أجر المواطن، فقط لكي يتمكّن من التنقل في المنطقة نفسها لتيسير شؤونه وأعماله، بعدما عجزت الدولة عن توفير خطة نقل عام.
اضافت” الاخبار”: ويشرح الباحث في مجال النقل علي الزين أن «النقل بات يسيطر بشكل كبير على ميزانية الأسر. قبل الأزمة، كان معدّل استهلاك الفرد في لبنان بين 10 و12 تنكة بنزين، وإذا قسناها على الأسعار الحالية، فإن كلفة النقل باتت تستهلك 100% من الميزانية». ويرى الزين أن هذا الواقع «يضع العديد من الأسر والأفراد أمام خيارات صعبة، ويجبرهم على المفاضلة بين الأولويات الحياتية». أمّا المشكلة الأعمق، فهي أن أزمة النقل ليست جديدة، بل تتفاقم منذ عقود، «وفي كل مرة يُترك الناس ليتدبروا أمورهم عبر حلول فردية، من دون أي حل وطني وجماعي. واستدامة المشكلة أفقدت الناس الأمل وجعلت من الصعب عليهم الخروج من هذه الدوامة مع الاتكال دائماً على السيارة رغم تزايد أعبائها».


