موازنة 2027: الرسوم تتضاعف حتى 200 مرة

كتبت صحيفة “الأخبار”: في مشروع موازنة 2027، تزداد كلفة الحصول على الخدمات بقفزات كبيرة تطاول مجموعة واسعة من الرسوم الإدارية والخدمات العامة. ففي التربية والأمن العام والشباب والرياضة، تقترح الحكومة رفع تعرفات بعضها إلى عشرات ومئات أضعاف قيمتها الحالية، إلى جانب استحداث رسوم جديدة على عدد من المعاملات والخدمات. باختصار، لم يعد الأمر مجرد تصحيح لتعرفات قديمة فقدت قيمتها، بل إعادة تسعير واسعة للخدمات العامة من المستندات والامتحانات إلى التراخيص والتأشيرات. ومن أبرز الأمثلة، ارتفاع رسم طلب الحصول على بطاقة هوية 200 ضعف، ورسم الاشتراك في امتحان الشهادة المتوسطة 100 ضعف، فيما تصل الزيادة في بعض معاملات الشباب والرياضة إلى 20 ضعفاً، وفي بعض رسوم الأمن العام إلى 4.5 أضعاف.
للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الزيادات جزءاً من محاولة لزيادة إيرادات الدولة بعد سنوات من انهيار قيمة الرسوم بالليرة. لكن أرقام مشروع الموازنة لا تدعم هذا التفسير بهذه البساطة.
فمن أصل نحو 6.87 مليارات دولار تتوقع الحكومة تحصيلها في 2027، يأتي نحو 5.90 مليارات من الضرائب، مقابل نحو 969 مليون دولار فقط من الإيرادات غير الضريبية. أي إن نحو 86% من إيرادات الدولة ستبقى ضريبية. ويتراجع الاعتماد على الإيرادات غير الضريبية لتشكّل 14% من مجمل الإيرادات أو ما يعادل 86.72 تريليون ليرة أو 969 مليون دولار، وذلك بعدما كانت مقدرة بـ 18.35% من موازنة 2026 أو ما يعادل 98.8 تريليون ليرة أو 1.1 مليار دولار. وفي المقابل ترتفع الإيرادات الضريبية من 439.6 تريليوناً إلى 528.2 تريليون ليرة، أي بنحو 20%، وترتفع حصّتها من 81.65% إلى 85.9%.
المفارقة، أن الباب الذي يحمل عنوان «الرسوم والعائدات الإدارية والمبيعات»، وهو ضمن الإيرادات غير الضريبية، لا يظهر أي مردود إضافي من موجة إعادة التسعير، بل خلافاً لذلك، تنخفض إيراداته المقدّرة من نحو 326 مليون دولار في موازنة 2026 إلى نحو 193 مليون دولار في مشروع 2027، أي بنحو 41%. وسبب ذلك أن زيادة تعرفة أي رسم، لا تعني بالضرورة زيادة إيراداته بالنسبة نفسها، بل تتوقف الحصيلة على عدد المعاملات وحجم الطلب والإعفاءات، ما يعني أن توقعات وزارة المال بأن حصّة هذه الإيرادات في تمويل الخزينة ستتراجع.
من هنا تصبح المسألة في مكان آخر: على أي أسس حُدّدت الأسعار الجديدة؟
لا خلاف على أن انهيار الليرة جعل كثيراً من الرسوم القديمة بلا قيمة فعلية تقريباً. فرسم بطاقة هوية بقيمة خمسة آلاف ليرة، أو رسم امتحان بقيمة 20 ألفاً، لم يعد يعكس شيئاً من قيمته عند إقراره. لكن استعادة القيمة المفقودة لا تفسر وحدها الفوارق الهائلة بين نسب الزيادة. فبعض الرسوم ضُرب بأربعة أو خمسة، وبعضها بـ20، وبعضها بـ100 أو 200. ولو كان الأمر مجرّد تحديث موحّد للتعرفات وفق انهيار العملة أو التضخم، لكان يفترض أن يظهر معيار مشترك يمكن تتبعه بين التعرفات الجديدة.
وهنا تحديداً تظهر كلفة الخدمة بوصفها المعيار الغائب عن جداول المشروع. فالرسم الإداري مرتبط، في الأصل، بمعاملة أو خدمة أو وظيفة تؤديها الإدارة. وبالتالي، فإن إعادة تسعيره يفترض أن تستند إلى أساس قابل للتفسير. أما المشروع، فيعطي السعر الجديد من دون أن يتيح معرفة الحساب الذي أوصل إليه.
والأرقام تجعل هذا الغياب أكثر وضوحاً. ففي وزارة الشباب والرياضة، أصبح الاعتراض أو الشكوى بـ18 مليون ليرة، أي نحو 201 دولار، ونسخة المستند بـ4.5 ملايين، أي نحو 50 دولاراً، فيما يبلغ ترخيص الاتحاد 135 مليون ليرة، أو نحو 1,508 دولارات. وفي الأمن العام، تصل تأشيرة عدة سفرات لستة أشهر إلى أكثر من ألف دولار. هذه لم تعد مبالغ رمزية يمكن تفسيرها بمجرد تقريب الأرقام بعد انهيار العملة، بل أصبحت أسعاراً لخدمات عامة يفترض أن يكون ممكناً تفسير كيفية تحديدها.
حتى الأسباب الموجبة لبعض هذه التعديلات لا تعالج هذه المشكلة. ففي رسوم الشباب والرياضة مثلاً، يربط المشروع التعديل بتغير الظروف الاقتصادية والمالية وكلفة الخدمات، لكن من دون أن تعرض مواد الموازنة حساباً لكلفة كل خدمة أو كيفية انتقال هذه الكلفة إلى التعرفة المقترحة.
وهذا هو جوهر المسألة في رسوم موازنة 2027. المشكلة ليست أن الدولة قررت أخيراً تعديل رسوم بقي بعضها عند بضعة آلاف من الليرات، بل أنها انتقلت من أسعار فقدت معناها إلى أسعار جديدة من دون أي أساس ومعيار واضحين سوى العقل المحاسبي الذي يحكم إعداد الموازنات. والمفارقة أن هذه القفزات لا تأتي ضمن تحول مالي نحو الاعتماد أكثر على الرسوم. لذلك، فإن وصف ما يجري بأنه مجرد «تصحيح للرسوم» لا يشرح الكثير. فالمشروع لا يبين في أسبابه الموجبة على أي أساس قدر كل رسم، وهل أخذ بعين الاعتبار الوضع المعيشي في الخدمات التي يحتاجها محدودو الدخل، أو عدد أكبر من المواطنين.



