منوعات

سوق العمل بلا أرقام… والوظائف الى إنكماش

رماح هاشم – “نداء الوطن”
في اقتصاد يفتقد إلى مسوحات دورية لسوق العمل، تتحوّل البطالة من مؤشر قابل للقياس إلى أزمة يصعب تحديد حجمها واتجاهاتها. فغياب البيانات الشهرية أو الفصلية حول الوظائف والبطالة والتوظيف يحرم الاقتصاد اللبناني من أداة أساسية لرصد قدرته على توليد فرص العمل، ويضعف في الوقت نفسه قدرة صانعي القرار على تصميم سياسات اقتصادية تستند إلى مؤشرات دقيقة، في وقت تتعمق فيه الاختلالات المالية والاستثمارية وتتراجع قدرة القطاعات الإنتاجية على التوسع.

لا يُمكن فصل أزمة سوق العمل عن مسار النمو والاستثمار. فالانكماش المتتالي لا يضغط على الناتج المحلي فحسب، بل يضرب قرارات الشركات الاستثمارية والتوظيفية، فيما يؤدي ضعف تدفقات الرساميل إلى تقليص المشاريع الجديدة والوظائف المرتبطة بها. وبين اقتصاد ينكمش، واستثمارات لا تزال دون مستوى الحاجات، وبيانات لا تُحدّث بصورة دورية، يجد سوق العمل نفسه أمام معادلة مزدوجة: وظائف أقل، وغياب الأرقام التي تكشف بدقة حجم الخسارة.

 

العمل بلا أرقام… والبطالة بلا مؤشّر

يُشير الخبير الاقتصادي د. نسيب غبريل لـ “نداء الوطن”، إلى أن “معظم الدول تنشر بيانات دورية عن سوق العمل، شهريًا أو فصليًا، لما لهذه الأرقام من تأثير مباشر في مستوى الثقة بالاقتصاد والأسواق المالية، فضلا عن دورها في صياغة السياسات النقدية واتخاذ قرارات الفائدة”.

ويؤكد أن “لبنان لا يمتلك حاليًا قاعدة بيانات رسمية ودورية تسمح بتحديد مسار سوق العمل بدقة. فقد أُجري أول مسح شامل خلال عامي 2018 و2019، ثم جرى تحديثه عام 2022 من قبل إدارة الإحصاء المركزي، من دون أن تتبعه مسوحات دورية. كما أجرى البنك الدولي دراسة شملت سوق العمل في عام 2023، إلا أن نتائج المسوحات تفاوتت بشكل كبير، إذ أظهرت بيانات الإحصاء المركزي معدل بطالة بلغ نحو 29%، مقابل 11% وفق دراسة البنك الدولي لعام 2023”.

أما منظمة العمل الدولية، فلم تقدّم، بحسب غبريل، “مسحًا دوريًا يحدد معدل البطالة في لبنان، بل ركزت على اتجاهات سوق العمل وتداعيات الحرب. وبالتالي، لا يزال الاقتصاد اللبناني يفتقر إلى مؤشر رسمي منتظم يكشف حجم البطالة الفعلي وقدرة الاقتصاد على خلق الوظائف أو خسارتها”.

 

نمو يتبخر…

يشدّد غبريل على أن “لبنان يحتاج إلى مسح لسوق العمل يصدر، في الحد الأدنى، كل ثلاثة أشهر، لقياس قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل أو فقدانها، معتبرًا أن هذا “المؤشر يشكّل عنصرًا أساسيًا في أي اقتصاد يسعى إلى تعزيز الشفافية ودقة السياسات الاقتصادية”.

يتابع: “في ظل غياب هذه البيانات، يمكن الاستناد إلى مسار النمو الاقتصادي لقراءة حجم الخسائر التي أصابت سوق العمل. فقبل اندلاع حرب الإسناد، كانت التوقعات تشير إلى نمو بنحو 3 % في عام 2023، لكن الاقتصاد سجّل فعليًا انكماشًا بنسبة 0.5 %. وفي عام 2024، كانت التقديرات تتوقع نموًا يتراوح بين 3 % و4 %، قبل أن تؤدي توسعة الاعتداءات الإسرائيلية اعتباراً من أيلول إلى دفع الاقتصاد نحو انكماش بلغ 7.4 %”.

يضيف: “أما في عام 2026، فكانت التوقعات في بداية السنة تشير إلى إمكانية تحقيق نمو يتراوح بين 4 % و5 %، قبل أن تنقلب الصورة مع استمرار الضغوط الأمنية والاقتصادية، لتتجه التقديرات حالياً نحو انكماش يتراوح بين 8% و9 %”.

 

فاتورة إضافية 

يرى غبريل أن “هذه الفجوة بين النمو المتوقع والأداء الفعلي تعكس حجم “الفرص الضائعة” أمام الاقتصاد اللبناني. ففي عام 2026، بدلا من تحقيق نمو يتراوح بين 4 % و5 %، يتجه الاقتصاد نحو انكماش بين 8 % و9 %، ما يعني فرص ضائعة على الاقتصاد اللبناني توازي نموًا من 12 إلى 14 %”.

ويرى أن “هذه الخسارة لا تتوقف عند الناتج المحلي، بل تمتد مباشرة إلى سوق العمل. فكلما تراجع النمو، تقلصت قدرة الشركات على التوسع والاستثمار والتوظيف، فيما تُرجئ المؤسسات قراراتها الاستثمارية وتؤجل استحداث وظائف جديدة، ما يضغط على سوق العمل ويحدّ من فرص دخول العمال الجدد إليه”.

ويشير إلى أن “تداعيات الحرب انعكست مباشرة على قطاعات عدة، ولا سيما القطاع السياحي، حيث اضطرت بعض المؤسسات خلال فترات الحرب إلى منح موظفيها إجازات وخفض الرواتب، في انعكاس واضح لتراجع النشاط الاقتصادي والطلب”.

 

الاستثمار الغائب

يضع غبريل ضعف “الاستثمار في صلب أزمة خلق فرص العمل”، مشيرًا إلى أن “حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المشاريع الجديدة بقي متواضعًا للغاية. فقد بلغت نحو 3.5 ملايين دولار عام 2024، لترتفع إلى نحو 10.7 ملايين دولار عام 2025”.

ويعتبر أن “هذه الأرقام لا تزال زهيدة قياسًا إلى حاجات الاقتصاد اللبناني، خصوصًا أن المشاريع الاستثمارية الجديدة تشكل إحدى القنوات الأساسية لتوليد فرص العمل وتنشيط الدورة الاقتصادية”.

وتبرز الفجوة بصورة أكبر عند مقارنة لبنان بسوريا، إذ بلغت الاستثمارات الأجنبية في المشاريع الجديدة التي أُعلن عنها هناك نحو 5 مليارات دولار عام 2025، مقابل أقل من 11 مليون دولار في لبنان خلال العام نفسه.

 

بيئة الأعمال تكبح الاستثمار

لا يعزو غبريل ضعف الاستثمارات إلى الحرب وحدها، بل يضعه أيضًا في إطار مجموعة من الاختلالات المزمنة التي تضرب بيئة الأعمال والمناخ الاستثماري في لبنان. ويشدد على “ضرورة رفع تنافسية الاقتصاد، وخفض الكلفة التشغيلية التي تتحملها الشركات، وتطبيق حكم القانون، وتحديث البنى التحتية وإعادة تأهيلها، إلى جانب تطوير بيئة الأعمال والتشريعات الناظمة للنشاط الاقتصادي”.

ويؤكد أن “هذه العوامل لا تؤثر فقط في تدفق الرساميل، بل تحدّ أيضًا من قدرة الاقتصاد على استحداث مشاريع جديدة وتوسيع المشاريع القائمة، وبالتالي على خلق وظائف مستدامة. ومع ذلك، فإن غياب البيانات الدورية يحول دون تحديد عدد الوظائف التي يمكن أن تولدها الاستثمارات الجديدة أو حجم الوظائف التي خسرها الاقتصاد نتيجة ضعفها”.

 

دور القطاع الخاص

يضع غبريل القطاع الخاص والمبادرة الفردية في قلب عملية خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد، معتبرًا أن “توفير بيئة استثمارية مؤاتية هو المدخل الأساسي لتأسيس المشاريع واستقطاب الرساميل والتكنولوجيا وتوسيع النشاط الاقتصادي”.

في المقابل، يشدد على أن “وظيفة الدولة لا تتمثل في أن تكون المشغّل الرئيسي للاقتصاد، بل في بناء البيئة التي تمكّن القطاع الخاص من الاستثمار والتوسع”. ويشير، استنادًا إلى تقرير لصندوق النقد الدولي، إلى وجود نحو 334 ألف موظف وعامل لبناني في القطاع العام، معتبرًا أن “تضخم حجم القطاع العام لا يمكن أن يشكل بديلا عن اقتصاد منتج قادر على توليد وظائف مستدامة”.

يخلص غبريل إلى أن “معالجة أزمة سوق العمل لا تبدأ بزيادة التوظيف في القطاع العام، بل بإعادة بناء اقتصاد قادر على إنتاج فرص العمل. ويتطلب ذلك تطوير القوانين، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، وتحسين البنية التحتية، وخفض كلفة ممارسة الأعمال، ورفع تنافسية الاقتصاد، واستعادة الثقة الاستثمارية”.

يبقى سوق العمل اللبناني عالقًا بين انكماش اقتصادي يحدّ من خلق الوظائف وغياب بيانات دورية تكشف حجم البطالة واتجاهاتها بدقة. ومن دون مؤشرات حديثة، يصعب على الدولة تقييم الخسائر الفعلية أو بناء سياسات قادرة على معالجة الاختلالات في سوق العمل. أما استعادة القدرة على خلق وظائف مستدامة، فلا تبدأ بتوسيع التوظيف العام، بل بإعادة تحفيز الاستثمار، وخفض كلفة ممارسة الأعمال، وإصلاح البنية التحتية والتشريعات، وتهيئة بيئة تسمح للقطاع الخاص بالنمو والتوظيف. فالوظائف لا تُخلق في اقتصاد منكمش، بل في اقتصاد يستعيد الثقة والاستثمار والقدرة على الإنتاج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى