منوعات

الفائدة الاميركية مرتفعة … لماذا يربك الدولار الأسواق والمنطقة؟

“ليبانون ديبايت” – باسمة عطوي

لم يطمئن الإحتياطي الفدرالي الأميركي الأسواق المالية العالمية، حين قرر( الأسبوع الماضي) الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الخامسة على التوالي بل أبقى إحتمال رفع الفائدة قائماً، وهذا يعني استمرار قوة الدولار وارتفاع كلفة التمويل عالمياً. وبالتالي دول الشرق الأوسط ستكون من أكثر المناطق تأثراً، سواء عبر أسعار الفائدة أو أسعار النفط، كما أن الذهب والنفط يتأثران بعاملين متضادين هما الفائدة المرتفعة تضغط عليهما، بينما التوترات الجيوسياسية تدعمهما. لذلك يرجح الخبراء أن يكون إجتماع الإحتياطي الفدرالي في أيلول المقبل وبيانات التضخم وسوق العمل الأميركية قبل ذلك، هي العامل الحاسم في تحديد إتجاه الأسواق خلال الأشهر المقبلة.

لماذا قرار الفيدرالي غير مريح، ولماذا يهتم به العالم ؟

الجواب هو لأن الدولار هو أهم عملة في العالم. فعندما تبقى الفائدة الأميركية مرتفعة يزداد الإقبال على الدولار، ويفضّل المستثمرون شراء السندات الأميركية، وتخرج الأموال من الدول النامية بإتجاه إلى الولايات المتحدة، ويصبح الاقتراض أكثر كلفة في معظم دول العالم.

وبما أن عملات دول الخليج مرتبطة بالدولار، فهي ستضطر إلى رفع الفائدة أيضاً حتى تحافظ على سعر الصرف، حتى لو لم تكن اقتصاداتها بحاجة إلى ذلك. أما الدول الأخرى مثل مصر والأردن وتركيا ولبنان فستعاني من إرتفاع كلفة خدمة الديون بالدولار، وضعف العملات المحلية، وزيادة أسعار الإستيراد، وخروج الإستثمارات نحو الولايات المتحدة.

 

تثبيتٌ بنبرةٍ متشدّدة

يشرح الخبير المالي الدكتور واجب قانصو ل”ليبانون ديبايت”، أن “الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أبقى سعر الفائدة ضمن نطاق ٣٫٥–٣٫٧٥ بالمئة للاجتماع الخامس على التوالي. لكن قراءة القرار بوصفه “تثبيتاً محايداً” تُغفل جوهره؛ فالأدقّ أنه تثبيتٌ بنبرةٍ متشدّدة. فقد جاء بأغلبية ٩ مقابل ٣ أعضاء، مع اعتراض ثلاثة من رؤساء البنوك الإقليمية — بيث هامَّاك ونيل كاشكاري ولوري لوغان — الذين فضّلوا رفع النطاق المستهدف ربع نقطة مئوية”، مشددا على أن “الأهمّ أن الأسواق لم تعد تسعّر خفضاً وشيكاً بل رفعاً محتملاً: باتت تُسعّر نحو ٦٧ بالمئة احتمالاً لرفعٍ بمقدار ٢٥ نقطة أساس في أيلول، صعوداً من ٥٦ بالمئة قبل يومٍ واحد. بهذا المعنى، لم يكن محطة استقرار بقدر ما كان نقطة توتّر، وميزان المخاطر يميل نحو مزيدٍ من التشدّد لا نحو الانفراج”.

يجزم قانصو أن “انعكاسات هذا الموقف تتجاوز حدود الاقتصاد الأمريكي لتبلغ المشهد المالي العالمي. فبقاء الفائدة مرتفعةً — مع احتمال ارتفاعها أكثر — يُبقي الدولار في موقع القوة، ويُديم كلفة التمويل المرتفعة عبر الأسواق، ويعيد توجيه رؤوس الأموال نحو الأصول الأمريكية الآمنة على حساب الأسواق الناشئة”، موضحا أنه “قد ظهر ذلك سريعاً في أدوات الدين، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل ولامست معدّلات الرهن العقاري أعلى مستوى في عام. وخلف هذا التشدّد سببٌ بنيويٌّ لا عابر؛ فالتضخّم بقي فوق هدف الفدرالي البالغ ٢ بالمئة لأكثر من خمس سنوات، فيما يتعامل رئيس الفدرالي كيفن وارش مع كبح الأسعار بوصفه خياراً لا قدَراً، ويتعمّد تقليص التوجيه المسبق للأسواق — ما يزيد التقلّب، لأن المستثمرين باتوا يتلمّسون اتجاه السياسة من البيانات لا من تصريحات المركزي”.

يضيف:”هنا تحديداً يبرز الأثر على اقتصادات المنطقة، ويزداد حدّةً في بيئةِ رفعٍ محتمل: ضغطٌ متجدّد على العملات المحلية، وكلفة استيرادٍ أعلى، وهامشٌ أضيق أمام السياسات النقدية المحلية التي تجد نفسها مضطرة لمجاراة الاتجاه العالمي”، شارحا أن”دول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار مُلزَمةٌ عملياً بمجاراة أي تشديدٍ أمريكي حفاظاً على الربط، حتى حين لا يقتضيه وضعها الداخلي، فتستورد سياسةً نقدية قد لا تناسب دورتها الاقتصادية. أما الاقتصادات ذات العملات المرنة والمديونية الدولارية فتواجه المعادلة الأصعب: خدمةُ دَينٍ أغلى، وتدفّقاتٌ خارجة نحو الملاذات الأمريكية، واحتياطياتٌ تحت ضغط الدفاع عن العملة”.

ويؤكد ان “للقرار صدىً مباشر في سوقَي الذهب والطاقة. فالذهب، الذي لا يدرّ عائداً، يفقد بعض بريقه كلّما بقيت الفائدة مرتفعة وارتفعت معها كلفة الفرصة البديلة لاقتنائه؛ غير أنّ استمرار التضخّم والتوترات الجيوسياسية يُبقيانه ملاذاً آمناً يشدّه اتجاهان متعاكسان. وتجسّد الأرقام هذا الشدّ والجذب: فالمعدن يتحرّك في نطاقٍ ضيّق حول ٤٠٥٠–٤١٣٠ دولاراً للأونصة، وهو في طريقه لتسجيل مكسبٍ شهري يفوق ٢ بالمئة يُعدّ أول مكسبٍ شهري له منذ خمسة أشهر”، موضحا أن “هذا يعني أن “الملاذ الآمن (الذهب) يفوز بفارقٍ ضئيل، لكن سقف صعوده يظلّ محكوماً بسيف الرفع المعلّق. ويضاف إلى ذلك عاملٌ هيكليّ داعم: استمرار البنوك المركزية — الصين وبولندا وكازاخستان وغيرها — في مراكمة الذهب يوفّر أرضيةً تحدّ من تراجع الأسعار حتى في بيئة الفائدة المرتفعة”.

يشير قانصو أنه في “ما يتعلق بالطاقة، فالمعادلة فيها أكثر تعقيداً، وتكاد تكون حلقةً مفرغة: ارتفاع أسعار النفط هو أصلاً أحد محرّكات التضخّم الذي دفع الفدرالي إلى التشدّد؛ والتشدّد بدوره يكبح النمو والطلب المتوقّع على الخام. لكن هذه الحلقة يقطعها اليوم عاملٌ جيوسياسيّ حادّ؛ فقد ارتفعت أسعار النفط بعد أن شنّت الولايات المتحدة موجة ضربات جديدة على إيران رداً على هجماتٍ استهدفت قواتها في المنطقة، ما أثار مخاوف من تعطّل إمدادات الطاقة”، لافتا إلى أنه”هكذا تظلّ علاوة المخاطرة الجيوسياسية قادرةً على إعادة إشعال الأسعار في أي لحظة بمعزلٍ عن منطق الطلب. وهذا بالذات ما يعقّد مهمّة الفدرالي، إذ يواجه تضخّماً مصدره صدمة عرضٍ لا فائض طلب، وهو نوعٌ لا تُجدي الفائدة في علاجه إلا بثمنٍ باهظ على النمو”.

ويختم:”باختصار، الذهب والنفط يتحرّكان اليوم على وقع معادلةٍ مزدوجة: كبحٌ من جهة الفائدة، ودعمٌ من جهة المخاطر. لكن الإختبار الحقيقي ليس اجتماع الفدرالي الاخير، بل اجتماع أيلول وما يسبقه من بيانات التضخّم وسوق العمل. ومنطقتنا — الأشدّ ارتباطاً بالدولار والأكثر انكشافاً على أسعار الطاقة — هي حيث تلتقي هذه الخيوط كلّها في آنٍ واحد”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى