منوعات

37 بالمئة من اللبنانيين يفكرون بالهجرة بسبب الحرب: الخسائر ليست أموالا بل شباب وكفاءات!

“ليبانون ديبايت” – باسمة عطوي

حذّرت دراسة أعدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ونشرها في 18 حزيران الجاري، من أن لبنان يقف أمام موجة هجرة جديدة محتملة نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والمالية والحروب، وأن الخطر الأكبر يتمثل في هجرة الشباب والكفاءات، ما يفاقم أزمة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. بمعنى آخر، بعد الحرب والانهيار المالي، لم يعد السؤال كم خسر لبنان من الأموال، بل كم سيخسر من شبابه وكفاءاته.

إستندت الدراسة إلى استطلاع شمل 1500 لبناني من مختلف المناطق والطوائف والفئات العمرية. وأبرز النتائج التي تضمنها هي أن أكثر من ثلث اللبنانيين يريدون الهجرة، بمعنى أن 37 بالمئة من اللبنانيين يفكرون في مغادرة لبنان للعمل أو الاستقرار في الخارج، و تعتبر هذه النسبة من أعلى نسب الرغبة في الهجرة عالمياً.

كما أظهرت النتائج أن الشباب هم الأكثر رغبة في المغادرة ضمن فئة ال37 بالمئة، وهم من الفئة العمرية التي تتراوح بين 18 و34 عاماً يفكرون بالهجرة. وتنخفض النسبة تدريجياً مع التقدم في العمر لتصل إلى أقل من 18 بالمئة لدى من تجاوزوا 65 عاماً. والدلالة الاقتصادية لهذا الارقام تعني أن لبنان قد يخسر الفئة الأكثر إنتاجاً وتعليماً وقدرة على العمل، أي القوى التي يحتاجها للنهوض بعد الحرب والأزمة الاقتصادية.

ومن النتائج اللافتة للدراسة أن الهجرة ليست حكراً على الذكور، إذ يبدي 34.4 بالمئة من الرجال الرغبة في الهجرة. و 28.6 بالمئة من النساء يرغبن في الهجرة أيضا. أي أن الدراسة تشير إلى ارتفاع ملحوظ في نزعة الهجرة لدى النساء خلال السنوات الأخيرة.

ومن النتائج المُلفتة أيضا أن أصحاب الشهادات من الأكثر ميلاً للهجرة. إذ ترتفع الرغبة في الهجرة بين حملة الماجستير (36.2 بالمئة) ، وأصحاب التعليم المهني (35.6 بالمئة)، وحملة الشهادات الجامعية (32.6 بالمئة)، ما يعني أن الخسارة لا تقتصر على العدد، بل تطال الكفاءات والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد اللبناني.

الفجوة بين الرغبة والتنفيذ

أظهرت الدراسة أنه رغم أن 37 بالمئة يريدون الهجرة، فقط 9.3 بالمئة اتخذوا خطوات عملية خلال الأشهر الستة الأخيرة (طلبات هجرة، تأشيرات، بحث عن عمل أو دراسة…). لكن الدراسة تعتبر أن هذه الفجوة لا تعني تراجع الرغبة، بل وجود ما تسميه “مخزون هجرة” أي مئات آلاف اللبنانيين المستعدين للمغادرة فور توافر فرصة مناسبة.

البعد الطائفي

الدراسة تنفي أن تكون الهجرة مرتبطة بطائفة معينة فقط. نسب الراغبين بالهجرة:السنّة: 38.5 بالمئة والشيعة 32.3 بالمئة و الدروز: 26.9 بالمئة والمسيحيون مجتمعين: 25.9 بالمئة. الخلاصة هي أن الهجرة أصبحت ظاهرة وطنية عامة مرتبطة بالأزمة الاقتصادية وفقدان الثقة بالمستقبل أكثر من ارتباطها بالانتماء الطائفي.

إلى أين يريد اللبنانيون الهجرة؟

بحسب الدراسة الوجهات المفضلة هي أوروبا38.1 بالمئة، الولايات المتحدة وكندا 20.5 بالمئة، دول الخليج 18.6 بالمئة و أفريقيا: 6.8 بالمئة.

لماذا تتصدر أوروبا؟ السبب بحسب الدراسة هي فرص العمل والتعليم،أنظمة الرعاية الاجتماعية، سهولة الحصول على الإقامة والجنسية لاحقاً،وجود جاليات لبنانية كبيرة،القرب الجغرافي نسبياً من لبنان، أما الشباب تحديداً فينظرون أيضاً إلى الخليج كمنطقة فرص وتكنولوجيا ونمو اقتصادي سريع.

خلفية الأزمة

تربط الدراسة موجة الهجرة الحالية بتراكم عدة صدمات منذ 2019، بدءا من الانهيار المالي والمصرفي. وانهيار سعر صرف الليرة وتراجع القدرة الشرائية، وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، والحروب المتلاحقة وآخرها الحرب الإسرائيلية على لبنان.

من الأرقام المُقلقة التي وردت في الدراسة تلك التي تشير إلى أن أكثر من 215 ألف لبناني غادروا بين 2017 و2021، وعام 2021 وحده شهد مغادرة أكثر من 79 ألف لبناني. كما تشير إلى أن متوسط الخروج السنوي كان نحو 25 ألف شخص سنوياً بين 1997 و2018، ثم ارتفع إلى نحو 78 ألف شخص سنوياً بين 2018 و2023.

الرسالة الاساسية للدراسة هي أن الخطر الأكبر على لبنان اليوم، ليس فقط الخسائر المادية الناتجة من الحرب والأزمات، بل خسارة رأس المال البشري، أي الشباب والكفاءات، عبر موجة هجرة جديدة قد تتسارع إذا لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

وترى الدراسة أن لبنان يواجه نزيفاً بشرياً صامتاً، قد تكون تداعياته طويلة الأمد على سوق العمل والنمو الاقتصادي، وإعادة الإعمار والتركيبة الديموغرافية ومستقبل المؤسسات والقطاعات الإنتاجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى