وقف اطلاق النار “صامد” جنوبا وروبيو يعرض انسحابا اسرائيليا من الشقيف وتفكيك منشأة حزب الله وتدميرها

ساد الهدوء الحذر جنوب لبنان بعد ساعات على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وشكّلت الساعات الأربع والعشرون الأخيرة “فرصة تجريبية” أيضاً أتاحت انحساراً نسبياً للأجواء المتفجّرة، ما من شأنه أن يختبر متانة وقف النار الأخير، إذ سجل خفض واضح في منسوب العنف والتصعيد على معظم محاور الجنوب والبقاع الغربي، ولم تُسجَّل غارات إسرائيلية، كما لم ينفّذ “حزب الله” أي هجمات منذ مساء السبت.
وأعقب ذلك رفع لافتات على الطريق من مطار بيروت الدولي باتجاه الجنوب، حملت صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي ونجله مجتبى، إلى جانب عبارة “شكرا إيران”، وخشية تفجّر الوضع الميداني مجدّدًا، أصدرت بلديّات عدّة في الجنوب بيانات دعت فيها الأهالي إلى التّريّث مدّة 72 ساعة قبل العودة إلى قراهم.
وكتبت” الاخبار”: بعد تعثّر ست محاولات مكثفة من قبل قوات الاحتلال للوصول إلى مرتفعات علي الطاهر، وسقوط أكثر من 80 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً بين قتيل وجريح، اضطرت قوات الاحتلال إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، عقب تدخل إيران وإغلاقها مضيق هرمز والتهديد بوقف المفاوضات مع الولايات المتحدة. لكن العدو الذي فشل في الوصول إلى ما سماه «مركز عمليات حزب الله المركزية» في الجنوب، أراد الوصول إليه بطريقة مختلفة، فعرض عبر وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو مقترحاً، نقل الأخير إلى عون في اتصال قبل يومين، ويقضي بأن تنسحب إسرائيل من تلك المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني في منطقة الشقيف، مقابل أن يتولى الجيش الانتشار وتفكيك منشأة حزب الله وتدميرها، وأن إسرائيل ستعمل في هذه الأثناء على سحب قواتها من تلك المنطقة. علماً أن الاتصالات الأولية كانت تركز من قبل العدو على ضمان آلية لسحب جثث قتلاه من الأرض، بعدما تعرضت قوات الإنقاذ إلى ضربات متتالية في تلك المنطقة.
وكما في كل مرة يلتزم فيها عون بالطلبات الأميركية، سارع إلى إرسال الاقتراح إلى حزب الله الذي أبلغه فوراً رفضه أي خطوة من هذا النوع، وأن على العدو الانسحاب من المنطقة كلها دون أي مقابل، وأن حزب الله لن يخلي مواقعه ولن يقبل بأي نقاش حول سلاحه ما دام بقي الاحتلال في لبنان. وهو أمر أدركته قيادة الجيش التي تدرس مقترحاً جديداً يقضي بإعادة نشر قواتها في مواقع سابقة لها في المنطقة، وهي المنطقة التي لم تحتلها إسرائيل. والمشكلة بالنسبة إلى العدو، أن نقاط انتشار الجيش تجعله مانعاً لقواتها من التقدم مجدداً، علماً أن العدو ليس بحاجة إلى إذن بل يمكنه قصف الجيش متى أتيحت له فرصة العودة إلى الحرب.
وكشفت الاتصالات التي جرت خلال الساعات الـ36 الماضية عن محاولة أميركية للدفع نحو خروج محادثات واشنطن بنتيجة «تساعد حلفاءها في بيروت على الإمساك بالأرض، وتتيح لها المطالبة بالانفصال التام عن المسار الإيراني– الأميركي».
وفي تل أبيب، بدا واضحاً أن فشل قوات الاحتلال في تحقيق أي نتائج عملية كبيرة في الجنوب، وبدء تذمر الجيش من إبقاء قواته مكشوفة بطريقة تعرضها لمخاطر الضرب في كل نقطة وفي كل وقت، فيما سارعت حكومة الاحتلال إلى تقديم مقترحات تهدف فعلياً إلى وقوع مواجهة بين «سلطة الوصاية» في لبنان والمقاومة.
وكتبت” الديار”: استبق حزب الله انطلاق الجولة الجديدة من مفاوضات واشنطن بتجديد موقفه الرافض لمنطق التفاوض المباشر ككل. وتحدث في بيان عن «وظيفة تعطيلية» لهذه المفاوضات التي قال إنها «تشكل عثرة في مواجهة مشروع العدو وجهود الميدان المقاوم والتضحيات الكبيرة لشعبنا العظيم، والتي يمكن للسلطة تثميرها والضغط بأوراق القوة هذه، لتحقيق انسحاب كامل وغير مشروط من أرضنا اللبنانية». ورأى الحزب في بيانه أن «مواصلة الحضور في جلسات التفاوض المباشر هو تنفيذ لأمر اليوم الذي تُصدره الإدارة الأميركية للسلطة اللبنانية، التي تُلبّي متفردة بقرارها، مخالفة للميثاق والدستور والقوانين، وتستجيب لما تعمل له أميركا و إسرائيل في زيادة المخاطر على لبنان واستقراره واستقلاله وسيادته».
وفي كلمة له يوم أمس، شدد أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم على أن «المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة، لأن المشروع الإسرائيلي تعرض للكسر، ولم يعد بالإمكان العودة إلى النقاشات التي كانت مطروحة عندما كان الاحتلال في موقع القوة والتفوق». وأكد أن المقاومة لم تعد تقبل بأي معادلة تسمح للاحتلال بحرية الحركة والاعتداء تحت عنوان وقف إطلاق النار، مشددا على أن «أي خرق من جانب الاحتلال سيُواجَه، وأن المقاومة ستتعامل مع أي اعتداء بما تراه مناسباً».
أما عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله فكشف أن ايران أبلغت الحزب أنه لن تكون هناك مفاوضات في جنيف قبل وقف إطلاق النار في لبنان وأنه «لا اتفاق قبل انسحاب جيش العدو من لبنان»، متسائلاً «ماذا لدى هذه السلطة من أوراق القوة، وما هي الإمكانات التي لديها، وعلى ماذا تريد التفاوض، وعن ماذا تريد أن تتنازل، فالمقاومة ليست معها، وجزء كبير من الشعب ليس معها».
الموقف الاسرائيلي
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سارع أمس إلى التأكيد أن “الجيش الإسرائيلي غير مقيّد في عملياته داخل لبنان”، مشدداً على أن القوات الإسرائيلية ستواصل العمل لإزالة “التهديدات أينما وُجدت”. واعتبر أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن السبت “لا يفرض أي قيود على تحركات الجيش الإسرائيلي”، موضحاً أن قواته “ستبقى في كل المواقع التي تحتلها ضمن المنطقة الأمنية الهادفة إلى حماية مستوطنات الشمال”. وقال إن “إسرائيل لن تنسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان” رغم سريان وقف النار.
كما كشفت القناة “12” الإسرائيليّة أنّ الولايات المتّحدة نقلت رسالة إلى إسرائيل طالبتها فيها بعدم التّصعيد العسكريّ في لبنان، لإتاحة المجال أمام المحادثات المرتقبة بين واشنطن وطهران في سويسرا بشأن الملفّ النّوويّ. وأكّدت واشنطن في رسالتها أنّ لإسرائيل “حقّ الدّفاع عن نفسها”، لكن من دون تنفيذ هجمات عسكريّة من شأنها إفشال المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتّحدة وإيران.
وليل أمس، انتشرت على نطاق واسع في إعلام العدو أخبار عن «أفكار لتنفيذ انسحابات محدودة» من منطقة الشقيف. وقالت وسائل إعلام عدة إن «قيادة اليجش تدرس تنفيذ انسحابات محدودة قبيل انطلاق جولة المحادثات في واشنطن». ونقلت عن مسؤولين إسرائيليين قولهم: «لم نتلقَّ طلباً أميركياً بالانسحاب. والخط الأصفر هو خط أحمر، الساعات الماضية شهدت سلسلة من المشاورات في المؤسسة الأمنية والعسكرية والقيادة السياسية الإسرائيلية، إلى جانب اتصالات بين القدس وواشنطن على مختلف المستويات، ويجري النظر في انسحابات محدودة من بعض المناطق اللبنانية».
وتحدثت المصادر الإسرائيلية عن «مقترح بأن يكون الانسحاب من المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، ومن بينها منطقة الشقيف (البوفور). وأن الانسحاب منها قد يبعث برسالة مبادرة إسرائيلية نحو تحسين العلاقات مع لبنان».
وقال المصادر إن إسرائيل «ربطت أي انسحاب إضافي من جنوب لبنان باتخاذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة ضد حزب الله». لكن «قيادة الجبهة الداخلية أعلنت ليلاً عن إلغاء كافة القيود المفروضة على المستوطنات الشمالية اعتباراً من اليوم، ودعت إلى العودة الكاملة للمؤسسات التعليمية دون قيود. بينما ذكرت القناة 12 أنه «إلى جانب وقف إطلاق النار بدأ الجيش يقلص عديد الفرق العسكرية في المنطقة الأمنية، انطلاقاً من أن المهمات الهجومية التي فرضها المستوى السياسي على الجيش تم استكمال أغلبيتها إضافة إلى أن الجنود يقومون بأعمال صعبة جداً لحماية أنفسهم».



