أخبار النبطية

النبطية بعد بنت حبيل في مرمى الانتقام الإسرائيلي

هل تُشكّل مدينة النبطية حقّاً ثقلاً عسكرياً، أم أنّ هناك تضخيماً لدورها إسرائيليّاً؟

النبطية بعد بنت حبيل في مرمى الانتقام الإسرائيلي

كتب سمير صباغ في النهار
مع محاولات إسرائيل التقدّم في اتجاه تلة علي الطاهر وما سبقها من احتلال لـ قلعة الشقيف – أرنون تزامنا مع ضخ إعلامي متزايد عن مدينة النبطية والحديث عن “وجود أنفاق ومخازن تحتها” تبريراً لمحاولات تدميرها، يُطرح سؤل جوهري: أي موقع تحتله مدينة النبطية استراتيجياً لطرفي النزاع؟ ولماذا يتركز القتال فيها وحولها في انتظار تثيبت وقف النار؟

تكتسب مدينة النبطية، عدا عن كونها مركز المحافظة السادسة إدارياً، أهمية تاريخية للطائفة الشيعية لأنها حاضرة جبل عامل التي تنطلق منها أهم المراسم العاشورائية منذ أيام الشيخ عبد الحسين صادق الجد، فضلاً عن تحدّر العديد من المؤرخين ورجال الدين الشيعة البارزين منها، أمثال المشايخ محمد تقي وسليمان ظاهر وأحمد رضا وغيرهم.

لذا لم يفوّت “حزب الله” منذ انطلاقته عام 1982  فرصة للتوسع داخل البيئة النبطانية، ونجح، على عكس الأحزاب اليسارية وحركة أمل، في استقطاب الشباب النبطاني من مختلف العائلات منذ عام 1992 إلى عام 2000. ثم كان انفلاشه التنظيمي الأوسع بعد حرب تموز 2006. والدليل على ذلك سيطرته على المجلس البلدي بعد معركة انتخابية مع “أمل” عام 1998، وسيطرته لاحقا عبر التوافق، فيما اكتفت “أمل” بسيطرتها على المواقع الإدارية الرسمية واتحاد بلديات الشقيف.

وما إصرار القيادة السياسية في “حزب الله” بعد عدوان أيلول 2024 على أن يكون رئيس البلدية منظماً ومن الرعيل الأول، وهو عباس فخرالدين، خلفاً للشهيد الدكتور أحمد كحيل، إلا تأكيد لمحورية هذه المدينة شيعياً ولعمقها الشعبي، لكونها الثانية الأكبر شيعيا بعد بنت حبيل، علماً أن لائحة “التنمية والوفاء” نالت 7500 صوت من 8500 مقترع في الانتخابات البلدية الأخيرة.

تدمير ممنهج

نالت النبطية بعمقها الاقتصادي والاجتماعي النصيب الأكبر من التدمير الممنهج خلال عدوان أيلول 2024، وسقط رئيس بلديتها أحمد كحيل وثلة من أعضائها شهداء مع العديد من أبناء المدينة. ويؤكد المدير التنفيذي لـ”إسعاف النبطية” مهدي صادق، من موقع الجهة المستقلة الناشطة في أعمال الاغاثة داخل المدينة أنه “خلال العدوان الحالي شهدت النبطية موجات متتالية من النزوح. في المراحل الأولى قدرت العائلات الصامدة بنحو 120 عائلة لمدة شهر ونصف شهر، لكن العدد تراجع تدريجاً مع اشتداد الاعتداءات وتكرار الإنذارات، حتى أصبحت المدينة اليوم شبه خالية من سكانها المدنيين بحسب علمنا”.

ويشدد على أن “الحضور الأكبر داخل المدينة حالياً مقتصر على القطاع الصحي والإسعافي والإنقاذي”، لافتاً إلى أنهم “جهة إغاثية وإسعافية تسجل وجود بعض السكان في البلدات الواقعة شمال مدينة النبطية (حبوش ودير الزهراني وصولا إلى المروانية) لكننا نواصل عملنا الإغاثي فقط بإعداد وجبات طعام ساخنة يومية (150 وجبة) للأطقم الطبية والإسعافية والعاملين في المؤسسات الصحية الذين يواصلون أداء مهماتهم في ظروف بالغة الصعوبة، وبتنا غير قادرين على التحرك داخل القرى المذكورة شمال مدينة النبطية”.

غارة إسرائيلية على النبطية (أ ف ب).
غارة إسرائيلية على النبطية (أ ف ب).

لا شك في أن التقارير الغربية عن “بنى تحتية عسكرية وأنفاق ومخازن ضخمة” داخل المدينة بحسب الزعم الإسرائيلي تؤكد حتمية المعركة العسكرية حول مدينة النبطية ورغبة العدو في استنساخ دمار بنت جبيل داخلها، وهو ما استدعى طرحاً متقدماً لإمام النبطية الشيخ عبد الحسين صادق الذي دعا إلى “تكليف الجيش اللبناني ودعوة الإعلام الدولي وجهات حقوقية أممية إلى الوقوف على الواقع والتيقن من زيف الخبر المشبوه”. ثم تلاه بيان لبلدية النبطية يدعو “الجهات الرسمية إلى التحقق من الوقائع وكشف الحقائق”.

فهل حقاً المدينة تُشكّل ثقلاً عسكرياً، أم أن هناك تضخيماً لدورها إسرائيليّاً؟ 

عقدة تقاطع

يرفض العميد المتقاعد بهاء حلال اعتبار النبطية “جبهة قتالية كلاسيكية بقدر ما هي عقدة تقاطع بين الجغرافيا والسياسة. فالمنطق العسكري غير الكلاسيكي يعتبر المدن، بمعزل عن كبرها أو عدد سكانها، عمقاً جغرافياً وتنظيمياً وعملياتياً يؤشر لإمكان استمرار القتال لدى “حزب الله” في القرى المجاورة، مع العلم أن الإسرائيلي قد لا يحتلها مباشرة، بل يحاول فقط التأثير في الطرف الآخر بممارسة ضغط معنوي مستجد”.

ويكشف أن مدينة النبطية “ليست مفتاح حسم كما يظن الإسرائيلي، وإن كانت تحمل رمزية جنوبية كبيرة لكونها بيئة حاضنة اجتماعياً ومركز الثقل العملياتي للاستمرار بالحرب. العدو، ولو فرض السيطرة المكانية، سيحقق مكسباً نفسيّاً وإعلاميّاً وضغطاً سياسيّاً على الحزب، من دون أن يتمكن من الاستقرار، بل هدفه تحسين موقعه التفاوضي والتأثير في البيئة الخاضنة وإظهار قوته الردعية وإعادة الاعتبار إلى جيشه معنوياً”.

في المقابل، يرى المؤرخ الجنوبي علي مزرعاني الذي واكب الحروب الإسرائيلية منذ عام 1982 إبّان عمله في مديرية التوجيه في الجيش اللبناني أن المدينة التي ترعرع داخلها “هي الخزان البشري الإستراتيجي لـ”حزب الله” وقاعدته الخلفية اللوجيستية بكل معانيها، من دون أن تضم منشآت أو أنفاقا ضخمة داخلها كما زعم الإسرائيلي”.

ويؤكد أن الجيش الإسرائيلي “لا يزال يعيش هاجس انتقاضة عاشوراء 1983 التي قادها أهالي المدينة وجبهة المقاومة الوطنية ضده، لذلك لا أستبعد أن يحاول السيطرة على قلب المدينة لإعطاء معركته المستمرة منذ احتلال فلسطين عام 1948 بُعداً تاريخيّاً جديداً، في المقابل سيحاول “حزب الله” أن يستميت في الدفاع عن المدينة التي تمثل الثقل والرمزية الشيعية جنوباً، حفاظاً على مكاسبه التاريخية في المواجهة”.

قد لا يتقدم الإسرائيلي نحو النبطية لاحتلالها، بسبب الكلفة البشرية الباهظة، لكنه قد يسعى إلى تدميرها جواً لإثبات تفوقه، فهل يسبق المسعى الإيراني – الأميركي أو مفاوضات واشنطن لتثبيت وقف النار المعركة التدميرية، أو سيكون مصير النبطية كمصير بنت جبيل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى