بريد القراء

لهذه الأسباب … إسرائيل تسعى إلى التطبيع مع لبنان …بقلم محمد غزالة 

 

 

 

بقلم / محمد غزالة

 

شهدت السنوات الأخيرة موجة تطبيع غير مسبوقة بين بعض الدول العربية وإسرائيل، خصوصًا بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام” التي ضمت عدة دول خليجية، إضافة إلى السودان والمغرب. ومع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية، يُطرح السؤال: هل يمكن مقارنة تطبيع لبنان مع إسرائيل بتطبيع الدول الخليجية؟ وهل هناك أي مصلحة لبيروت في الدخول بهذا المسار؟

 

الاختلاف الجوهري بين لبنان ودول الخليج

 

هناك فروقات جوهرية بين وضع لبنان ودول الخليج في مسألة العلاقة مع إسرائيل، تجعل المقارنة بينهما غير منطقية:

 

الحدود المباشرة والصراع العسكري: على عكس الدول الخليجية، يقع لبنان على حدود فلسطين المحتلة، ويواجه تهديدات أمنية وعسكرية مستمرة من إسرائيل. فلا يمر يوم دون تسجيل خروقات جوية وبحرية وبرية إسرائيلية للسيادة اللبنانية، فضلاً عن استمرار احتلال أراضٍ لبنانية مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

 

المقاومة الوطنية: منذ عقود، خاض لبنان حروبًا وصراعات مع إسرائيل، بدءًا من اجتياح 1982 إلى حرب تموز 2006، مما رسّخ ثقافة المقاومة في الوعي الجماعي اللبناني، خصوصًا لدى الطائفة الشيعية التي تعدّ المواجهة مع إسرائيل جزءًا من عقيدتها السياسية والدينية. حتى على مستوى الطوائف الأخرى، هناك تيارات سياسية عديدة ترفض التطبيع لأسباب سيادية وعقائدية وتاريخية.

 

غياب المصلحة الوطنية: بينما ترى بعض الدول الخليجية أن التطبيع قد يحقق لها فوائد اقتصادية وسياسية، فإن لبنان لا يملك أي مصلحة استراتيجية في ذلك. على العكس، فإن أي اتفاق تطبيعي قد يجرّ البلد إلى مزيد من الانقسامات الداخلية ويهدد استقراره السياسي.

 

لماذا تسعى إسرائيل إلى التطبيع مع لبنان؟

 

على الرغم من إدراكها للرفض اللبناني الواسع، تسعى إسرائيل إلى دفع لبنان نحو مسار التطبيع لعدة أسباب:

 

كسر جبهة الرفض: يشكل لبنان أحد آخر معاقل الرفض العربي للتطبيع. لذا، فإن انتزاع اعتراف لبناني بإسرائيل، ولو بشكل غير مباشر، سيكون إنجازًا سياسيًا ودبلوماسيًا كبيرًا لها.

 

تحييد المقاومة: إن أي اتفاق تطبيع مع لبنان سيؤدي إلى نزع الشرعية عن سلاح المقاومة، ما يمهّد لضرب حزب الله عسكريًا أو سياسيًا.

 

الطموح الاقتصادي: لبنان يمتلك ثروات بحرية هائلة في مياهه الإقليمية، وإسرائيل ترغب في ضمان الوصول إليها عبر اتفاقيات تطبيعية.

 

رفض فرض التطبيع على لبنان

 

قد يكون لبعض الدول حقها السيادي في اتخاذ قراراتها بالتطبيع مع إسرائيل، لكن فرض هذا الخيار على لبنان، سواء عبر الضغوط العربية أو الدولية، يعدّ مساسًا بسيادته وقراره الحر. لبنان، رغم أزماته السياسية والاقتصادية، لا يزال يتمسك بثوابته الوطنية، ولا يمكن إجبار شعبه على قبول تطبيع يتناقض مع تاريخه وهويته.

 

إن التطبيع ليس مجرد توقيع اتفاق، بل هو مسار طويل يحمل تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة. فهل يتحمّل لبنان كلفة خيار كهذا؟ الإجابة واضحة: لا مصلحة للبنان في التطبيع، ولا شرعية لأي محاولة فرضه.

 

المعاملة بالمثل

 

كما ترفض الدول العربية، لا سيما الخليجية، تدخل أي طرف لبناني في شؤونها، خصوصًا في خياراتها في التطبيع، فعليها أن تمتنع بدورها عن تسويق فكرتها ومشروعها على لبنان. من حق كل دولة اتخاذ قراراتها السيادية بما يتناسب مع مصالحها، لكن فرض مسار سياسي على دولة أخرى يتناقض مع مبدأ احترام السيادة الوطنية. وإذا كانت الدول المطبِّعة تعتبر أن التطبيع شأن داخلي يخصها، فعليها أن تحترم حق لبنان في رفضه دون ضغوط أو إملاءات خارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى