أمن وقضاء

شهيدة الكنيسة تُذبح مجدداً… داخل المجلس النيابي

ليبانون ديبايت”- ميشال قنبور

في تلك الليلة الباردة أواخر عام 2011، كانت ميريام الأشقر تعود من الكنيسة كما تفعل دائماً. فتاة في الثامنة والعشرين، لم تكن تحمل سوى صلاتها وهدوء قلبها وإيمانها البسيط بالحياة. ربما فكّرت وهي تخرج من الدير بوالدتها التي تنتظرها، أو بأحلام صغيرة تشبه أحلام أي فتاة لبنانية تريد أن تعيش بأمان في بلدٍ يزداد خوفاً ووحشية.

لم تكن تعرف أن خطواتها الأخيرة ستكون نحو الموت.

في الخارج، كان هناك من يراقبها كوحش يختار ضحيته. رآها تصلي داخل الكنيسة، تابعها بعيني قاتل لا يرى البشر إلا فرائس. حاول التقرّب منها، وعندما رفضته، قرر أن يحول تلك الشابة الهادئة إلى واحدة من أبشع ضحايا الجريمة في لبنان.

طعنها. أسقطها أرضاً. سحبها وهي تنزف وتتألم. سرقها. جرّدها من ثيابها محاولاً اغتصابها وهي ما تزال تسمع وترى وتدرك ما يحصل حولها. وعندما خاف من افتضاح أمره، ذبحها بدم بارد بعدما تأكد أنها لا تزال حية.

ميريام لم تمت فوراً.

هذه هي الحقيقة التي يجب أن تلاحق ضمائر كل نائب يناقش اليوم تخفيف العقوبات عن المحكومين بالإعدام.

ميريام ماتت ببطء… وسط الرعب… والعجز… والتوسل الصامت للحياة.

لهذا أصدرت المحكمة حكماً بالإعدام بحق فتحي جبر السلاطين بعدما ثبت أنه ارتكب جريمة قتل وحشية مقرونة بمحاولة اغتصاب وسرقة وتعذيب لا يمكن لعقل بشري استيعابه.

لكن اليوم، وبعد أقل من 15 عاماً على الجريمة، هناك داخل المجلس النيابي من يناقش قانوناً للعفو يسمح لهذا القاتل نفسه بالخروج من السجن.

نعم… قاتل ميريام الأشقر قد يصبح حراً بقرار تشريعي.

تحت مزاعم كاذبة وعناوين براقة و”إنسانية” و”إصلاحية” و”تخفيف الاكتظاظ في السجون”، تدور اليوم نقاشات جدية داخل اللجان النيابية حول إقرار قانون العفو الذي يخفّض العقوبات عن المحكومين بالإعدام ويسمح لهم بالخروج بعد 15 سنة، فيما يطالب بعض النواب برفعها إلى 25 سنة فقط، وكأن القضية مجرد تفاوض على مدة إقامة فندقية لا على جرائم قتل واغتصاب وإرهاب، بينما الحقيقة أن النواب ينفذون الجزء الثاني من الاتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع بإخراج رفاقه من السجون اللبنانية، بعدما تمكن تحت الضغط من إخراج السوريين منهم باتفاق مع الحكومة اللبنانية على استكمال محكوميتهم في سوريا.

وهنا تصبح المسؤولية الأخلاقية مباشرة وواضحة.

كل نائب يرفع يده لمصلحة هذا القانون يعرف تماماً ماذا يفعل. يعرف أن بين المستفيدين المحتملين من هذا المشروع قتلة من طراز فتحي جبر السلاطين. يعرف أن هذا القانون لا يناقش مصير أشخاص ارتكبوا مخالفات بسيطة، بل مصير من ذبحوا وسفكوا واغتصبوا وأرهبوا.

ومع ذلك… يريدون منحهم فرصة جديدة للحياة.

الأخطر أن هذا المشروع لا يتحرك في الظل، بل يحظى بدعم سياسي واضح داخل السلطة، وبغطاء من فريق رئيس الحكومة نواف سلام، فيما يدفع عدد من النواب، وخصوصاً من النواب السنّة الذين قدّموا هذا الطرح، باتجاه فتح أبواب السجون أمام المحكومين بالإعدام.

وإذا كان هؤلاء يريدون معالجة ملفات الموقوفين الإسلاميين ممن رفعوا السلاح بوجه الجيش أو عاثوا تفجيراً وقتلاً في لبنان، فليصدروا عفواً خاصاً عنهم. أما أن يُفتح الباب أمام كل المحكومين بالإعدام، بحيث يستفيد معهم قتلة ومغتصبون وإرهابيون وتجار مخدرات، فهذه ليست شجاعة تشريعية… بل كارثة أخلاقية.

كيف يمكن لنائب أن يصوّت على قانون كهذا وهو يعرف أن ميريام كانت تُذبح وهي حية؟

وإذا كانت الحجة هي الاكتظاظ في السجون، فالحلول كثيرة ولا تحتاج إلى إخراج القتلة والمغتصبين والإرهابيين وتجار المخدرات. يمكن إصدار عفو عن الجنح البسيطة، وعن المخالفات غير الخطرة، وعن المسنين الذين تجاوزوا الخامسة والسبعين ولم يعودوا يشكلون تهديداً على المجتمع. أما أن يصبح أخطر المجرمين مستفيدين من “الرحمة التشريعية”، فهذا ليس إصلاحاً… بل سقوط أخلاقي وقانوني كامل.

ما يجري اليوم ليس نقاشاً قانونياً عادياً. ما يجري هو تفاوض على دم الضحايا.

لكن السؤال الذي لا يقل قسوة عن الجريمة نفسها: أين البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي؟ أين النواب المسيحيون الذين يملأون الشاشات حديثاً عن الوجود والحقوق والكرامة والسيادة؟ أين رئيس الجمهورية جوزيف عون، حامي الدستور والقائد السابق للجيش، من قانون قد يفتح الباب أمام قاتل شهيدة الكنيسة ليخرج من سجنه؟

الصمت هنا ليس حياداً… الصمت شراكة أخلاقية كاملة.

ميريام الأشقر قُتلت مرة على يد قاتل مجرم… واليوم هناك من يريد قتلها مرة ثانية داخل المجلس النيابي.

يريدون أن يقولوا لأهلها إن العدالة التي انتظروها سنوات طويلة يمكن أن تُمحى بحبر قانون. يريدون إبلاغ اللبنانيين أن العقوبة في هذا البلد لم تعد مرتبطة بحجم الجريمة، بل بقدرة السياسيين على عقد التسويات.

كل نائب يوقّع على هذا المشروع سيكون شريكاً أخلاقياً في إعادة إطلاق القتلة إلى المجتمع. وكل من يدافع عن هذا القانون يعرف أنه لا يوقّع على نص تشريعي فقط، بل يوقّع أيضاً على طعنة جديدة في قلب كل أم فقدت ابنها أو ابنتها ضحية جريمة قتل.

وعندما يخرج قاتل ميريام الأشقر يوماً من السجن، لن يكون المسؤول عنه القاتل وحده… بل أيضاً كل من صوّت لهذا القانون، وكل من دافع عنه، وكل من قرر أن يطعن العدالة باسم الإنسانية الزائفة.

إذا مرّ هذا القانون، فلن يكون مجرد تعديل تشريعي… بل شهادة رسمية بأن الدولة قررت أن تتخلى عن ضحاياها، وأن المجلس النيابي اختار أن يقف إلى جانب القاتل لا إلى جانب ميريام.

وعندها، لن يكون فتحي جبر السلاطين وحده من قتل ميريام الأشقر… بل كل من صوّت، وصمت، وغطّى، ومرّر هذا القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى