بري ماض في اعتراضه على المبادرة الرئاسية وعون لا يريد الوفد المفاوض “مجلساً مليّاً”

كتب ابراهيم بيرم في” النهار”؛ منذ أن أطلقت الرئاسة الأولى مبادرتها القائمة على إعلان استعداد لبنان لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل سبيلاً حصرياً إلى إيقاف الحرب، حرص رئيس مجلس النواب نبيه بري على تأكيد اعتراضه الضمني يومياً عليها، من خلال إعلانه التمسك بصيغة “الميكانيزم”.
وثمة من سأل هل يبقى بري ثابتاً على موقفه هذا، ويرسي بداية افتراق جدي بينه وبين الرئاسة الأولى، فيكون لواقع الحال هذا تأثيراته في المشهد السياسي في لبنان في المرحلة المقبلة؟ أو أن الأمر سيكون عبارة عن مناورة سياسية تنتهي بتأجيل الأمر كله إلى حين حصول لبنان على وقف النار؟
منذ العلامة الفارقة التي تمثلت في تصويت وزراء حركة “أمل” في جلسة الحكومة صبيحة الإثنين 2 آذار الجاري على مقررات تقضي بحظر أي نشاط عسكري للحزب، بدا أن بري قد حسم لمرة أخيرة خياراته في هذا الموضوع، وقرر مفارقة الحزب عبر الانضمام إلى ركب المعارضين على أدائه المفاجئ المتسبب بالحرب، والسير بنهج العهد الرامي إلى إخراج لبنان من دوامة الحروب مع إسرائيل.
حينها لم يخفِ الحزب انزعاجه من موقف بري الذي تضامن مع الحزب في كل الحروب والمواجهات التي خاضها مع إسرائيل، حتى ولو كان معترضاً عليها ضمناً. وهذا الأمر احتاج كما صار معلوماً إلى زيارة النائب السابق محمد فنيش لعين التينة حاملاً رسالة مفصلة من الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم.
وقد أفاد الحزب أن اللقاء أعاد الأمور إلى مجاريها الطبيعية، فيما أوضحت مصادر أخرى أن الأمر انتهى إلى نوع من التفاهم على إمرار مرحلة المواجهات، وبعدها يحتاج الأمر إلى لقاء آخر لوضع النقاط على الحروف، وهو ما فسره البعض بأن بري كاشف الحزب في الحاجة إلى تفاهم آخر بناء على أسس مختلفة.
من هذا المنطلق ثمة من رأى أن اعتراض بري غير المباشر على المبادرة الرئاسية لم يكن كافياً لتبديد الشكوك وإزالة الالتباس، خصوصاً أن سيد عين التينة لم يكن حاسماً، في حين أن الرئاسة الأولى لم تأخذ اعتراضه على محمل أنه ثابت. ومن زوار عين التينة من نقل أن التحدي الأكبر أمام المسار التفاوضي ليس في الاعتراضات الداخلية، بل في توقف إسرائيل عن حربها على لبنان، وأن تتعهد جدياً بالانسحاب من الأراضي اللبنانية التي دخلتها سابقاً وأخيراً.
ويكرر بري مقولته الشهيرة أن لا داعي لأن نختلف على جلد الدب قبل اصطياده، خصوصاً أن العدوان الإسرائيلي على لبنان قد دخل أسبوعه الثالث وليس هناك بوادر توحي بأنه سيقف. وأكثر من ذلك، يقول الزوار إن السفير الفرنسي قد نفى في لقائه معه أخيراً أن يكون لدى بلاده مبادرة محددة وواضحة، بل إنها عبارة عن مجموعة أفكار يُعمل على بلورتها، وهذا يعني أن فرنسا التي تبدو متحمسة لإنقاذ لبنان لا تبدو متيقنة وحاسمة.
في كل الأحوال، يرفض زوار بري مقولة إنه متمسك إلى آخر الحدود بصيغة “الميكانيزم”، لأنه يعرف أن الرهان عليها في الأشهر الخمسة عشر الماضية لم يضف أي جديد للبنان، لكنها في رأيه تظل أفضل الصيغ لمصلحة لبنان، كما يرفضون الاستنتاج أن الموضوع عنده قابل للتأجيل وإعادة النظر إذا ما أوقفت إسرائيل الحرب.
وكتب رضوان عقيل في” النهار”:لم تتوقف خلية رئيس الجمهورية التي تتولى تشكيل وفد المفاوضات مع إسرائيل عن العمل. وليس خافياً أن لا مهرب أمام الجميع من العودة إلى لغة الدبلوماسية بعد انتهاء الحرب.
وتشير الوقائع بناء على جملة من الاتصالات الدبلوماسية إلى أن الرئيس جوزف عون يتعامل بكل جدية مع ملف المفاوضات في حال نضوج ظروفها. ولذلك سارع بعد مرور ساعات قليلة على فتح النسخة الثانية من الحرب إلى إطلاق مبادرته. وينطلق أولاً من زاوية الصلاحيات الدستورية المعطاة له التي تخوله خوض هذا النوع من المفاوضات. ولن يتأخر عن تأليف أعضاء الوفد في التوقيت المناسب بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، وفي مقدمتها أميركا، مع توافر الضمانات المطلوبة لخطوة من هذا النوع.
ولا شك في أن عون كان يفضل وجود عضو شيعي في الوفد، إلا أن الرسائل التي تأتي من الرئيس نبيه بري في هذا الشأن لا تشجع على ذلك، ولا توحي بأنه سيقدم على اختيار اسم، أقله الآن، مع ارتفاع وتيرة تهديد إسرائيل للجنوب والبدء بتوغل وحدات من جيشها في بلدات حدودية جنوب لبنان.
وإذا كان عون يقوم بالواجبات المطلوبة منه لتجنيب البلد وكل اللبنانيين، ولا سيما الشيعة مزيداً من الخسائر والدمار واقتطاع مساحات من الجنوب، فهو لا ينظر إلى أعضاء الوفد المفاوض كأنهم “مجلس ملي” يمثل كل الطوائف في البلد. لذا لن يتراجع عن هذه الخطوة الدبلوماسية التي تتطلب تحقيق هدنة قبل إقلاع قطار المفاوضات. وتفيد المعطيات أن عون تلقى إشارات مشجعة من الخارج والداخل، على أساس أن مبادرته تحظى بقبول غربي من الأميركيين والأوروبيين، وفي مقدمهم الفرنسيون، وهذا ما تبلغه مباشرة من الرئيس إيمانويل ماكرون. وإذا لقيت المبادرة تجاوباً بدءاً من بندها الأول بوقف إطلاق النار، فيمكن لبنان العمل على تطبيق بقية البنود، وأهمها قيام الجيش بجمع كل سلاح “حزب الله”.
ويتبين هنا أنه من دون إتمام البند الأول من مندرجاتالمبادرة، لا يمكن السير بما تبقى. وفي هذه الحالة سيطالب لبنان بالعودة إلى العمل بلجنة “الميكانيزم” التي لم يتخل عنها في الأصل، مع تمسك بري بها.ولكن ماذا عن رفض تسمية شيعي في الوفد؟ يأتي الجواب من جهات مواكبة على صلة بعون، بأن بري “لم يعترض على مبادرة عون، ولا مشكلات بينهما، وهما يعملان على تجنيب لبنان مزيداً من نزف هذه الحرب، ويسعيان إلى تعزيز مؤسسات الدولة وعودة النازحين إلى بلداتهم”. ولا تنفي هذه الجهات أن بري “يدعم خطوات رئيس الجمهورية، وتجمعهما المسؤولية الوطنية لإنقاذ البلد وتجنيبه هذا الكم من الأخطار الإسرائيلية، ولا تغيب عيونهما عن مستقبل الجنوب”.
توازياً، تشخص الأنظار إلى “حزب الله” لأنه أول المعنيين في الداخل على مستوى هذه الحرب، فهو يرفض التسليم بمبادرة عون وفتح قناة مفاوضات مع إسرائيل، ويقدم جملة من الوقائع والدلائل مفادها أن هذا المخرج لا يخدم البلد ولم يحصنه، وهو لا يتراجع عن سرديته “فلتكن الكلمة للميدان”. وفي ذروة كل هذه التحديات والأخطار العسكرية في الإقليم، لم يطو رئيس الجمهورية صفحة تشكيل وفد لبنان إلى المفاوضات، ولو أن اتصالاته بـ”حزب الله” مقطوعة لظروف عدة، ولا سيما أن نظرة كل منهما ليست موحدة حيال مواجهة الحرب الإسرائيلية، فيما لم تظهر إشارات حقيقية تفيد أن بنيامين نتنياهو سيتوجه بالفعل إلى طاولة المفاوضات.



