“ما نواجهه خارج الوصف”: قصّة مديرة مستشفى في قلب الحرب

ليلى جرجس – النهار
في حرب إسرائيل على لبنان عام 2024، اتخذت المديرة العامة لمستشفى النجدة الشعبية في النبطية جنوب لبنان منى أبو زيد قرارها الحاسم بالبقاء داخل المستشفى وفاءً لرسالتها الإنسانية وإصراراً على الوقوف إلى جانب الجرحى والمرضى، رغم ابتعادها القسري عن عائلتها وابنتها الوحيدة.
66 يوماً أمضتها أبو زيد بين أروقة المستشفى وغرفه، تتنقل من سرير إلى آخر؛ تسمع آلام المرضى، تواسيهم، تتأثر بوجعهم، تبكي معهم لكنها سرعان ما تستجمع قوتها لتمنحهم الدعم وتشدّ من معنوياتهم.
وبين رائحة البارود والفوسفور التي كانت تفوح من أجساد الجرحى، وقفت صامدة في موقعها، تواجه وحشية الحرب بإصرار إنساني، وتسعى بكل ما أوتيت من قدرة إلى تأمين الرعاية الطبية لكل مريض يصل إلى أبواب المستشفى.
كانت على مقربة شديدة من القصف الإسرائيلي، إذ لم تكن المسافة في بعض الأحيان تتجاوز 200 متر فقط. وبينما كانت القذائف تتساقط في محيطه، بقي المستشفى شاهداً على لحظات الرعب والخطر، لكنه ظل صامداً، يواجه النار والدمار بمزيد من الإصرار على إنقاذ الأرواح.
المستشفى، الذي أقيم عام 1982 وكان شاهداً على الهجمات الإسرائيلية المتكررة، يواجه اليوم مرة أخرى حرباً لا يعرف موعد نهايتها. من متطوعة إلى موظفة، وصولاً إلى منصب إدارة المستشفى عام 2019، حملت منى أبو زيد أمنيتها الوحيدة في تقديم العون والمساعدة لكل محتاج، مهما كانت الظروف. واليوم، كما فعلت خلال جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية، تعود لتواصل معركتها في إنقاذ الأرواح وبلسمة الجراح وسط فوضى الحرب.
تؤكد منى أبو زيد، أن “ما نعيشه اليوم صعب وقاسٍ، خصوصاً عند التعامل مع الإصابات الخطيرة والقاسية. لا يمكن وصف المشاهد التي نواجهها، لا سيما إصابات الأطفال والمدنيين الذين ظنوا أنهم في مكان آمن. لا تفارقني صورة الطفل المجروح برفقة والدته وشقيقه في بالي؛ لقد نجوا من الموت، لكن نظراته المؤلمة أبكتنا جميعاً، كان عاجزاً عن استيعاب ما يحدث، جامداً يبحث عن حضن يلجأ إليه. يعيش الأطفال في ظروف قاسية وصعبة، هذه الصدمات لا تُمحى بسهولة”.
وتستعيد حالة أخرى وصلت قبل يومين إلى المستشفى، لأب يحمل ابنه فيما لا يزال ولداه وزوجته تحت الأنقاض لا يعرف عنهم شيئاً. يبكي بحسرة على مصيرهم المجهول والأمان المفقود. تعرف أبو زيد أنها تخوض معركة إنسانية وطبّية في آنِ واحد، تقول: “كطاقم طبي وإداري وتمريضي نقف أحياناً متأثرين أمام هول الكارثة لنستجمع قوانا ونواصل رسالتنا حتى النفس الأخير”.
ليس سهلاً اختبار كل هذه المشاعر وسط حرب قاسية. تصف أبو زيد الوضع قائلةً: “نمر بتجارب إنسانية حقيقية، ونجد دموعنا تنهمر بسرعة من دون حيلة. وسؤال واحد لا يفارقنا: إلى متى سيبقى الوضع على هذه الحال؟”.
تواصل أبو زيد مع زوجها الجراح رسالتهما الإنسانية حتى آخر نفس، وهي اليوم تعيش بعيدة عن ابنتها الوحيدة التي تتابع تعليمها الجامعي في بيروت، فيما يداويان معاً الناس هنا في المستشفى. تعترف: “صحيح أن ما نختبره قاسٍ، ومع ذلك نفتخر بما نقوم به، لأن قناعتنا أن نستمر في الصمود وخدمة الناس”.
عادت أبو زيد للإقامة في المستشفى مجدداً منذ اندلاع الحرب، شأنها شأن 150 موظفاً يواصلون اليوم مهماتهم الطبية داخل المستشفى، الذي أصبح بمثابة منزل جديد لهم. التحديات كبيرة ومتعددة، تبدأ بالأمور اللوجستية من تأمين الفيول والأدوية إذا طالت الحرب، وتمتد لتفتح كل الاحتمالات على مصراعيها.
وعن الحرب منذ 2024 وتجددها اليوم، لا تخفي أبو زيد هواجسها الحقيقة: “كانت هذه المرة الأولى التي تطول فيها الحرب بهذا الشكل، والمرة الأولى التي نشهد فيها إصابات قاسية وصعبة، والمرة الأولى التي نجد فيها أنفسنا أمام مصير مجهول، والخوف الأكبر ممّا سيأتي في الأيام المقبلة”.
تعرف أبو زيد جيداً أن التعب لا مفرّ منه، لكن الاستسلام مستحيل. تقف واثقة داخل المستشفى، تدير شؤونه إلى جانب طاقم يمثل 75% منه العنصر النسائي، لتؤكد أن المرأة قادرة على مواجهة الحرب بأدائها المتفاني، وتحويل الألم والمعاناة إلى قصة



