عربي ودولي

ترمب يمنح السعودية مفتاح التخصيب… اتفاق نووي لـ30 عامًا يهزّ الشرق الأوسط

أعطى الرئيس الأميركي دونالد ترمب موافقته الرسمية على اتفاق نووي مدني تاريخي مع السعودية، يمتد 30 عامًا وقد تصل قيمته إلى عشرات مليارات الدولارات، ويفتح الباب أمام إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة، في خطوة تمنح الرياض برنامجًا نوويًا واسعًا وتعيد رسم التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وبحسب تقرير للصحافيين مايكل غوردون وستيفن كالين في “وول ستريت جورنال”، يهدف الاتفاق إلى منح الشركات الأميركية الدور المركزي في تطوير البنية التحتية النووية السعودية، مع إقصاء المنافسين الأجانب، ولا سيما روسيا والصين، عن واحد من أكثر المشاريع حساسية في المنطقة.

ويتضمن الاتفاق بندًا أساسيًا يسمح للشركات الأميركية ببناء منشأة لتخصيب اليورانيوم في السعودية، في حال خلصت دراسة مشتركة أميركية – سعودية إلى أن هذه الخطوة ضرورية ومجدية. ويرى مسؤولون في إدارة ترمب أن هذا الترتيب يمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا على البرنامج النووي السعودي، ويتيح لها منع استخدامه لأغراض عسكرية.

ومن المتوقع أن يُحال الاتفاق إلى الكونغرس خلال الأيام المقبلة للمراجعة، وسط توقعات بأن يثير اعتراضات واسعة لدى عدد من المشرعين المعارضين لانتشار التكنولوجيا النووية في الشرق الأوسط. إلا أن تعطيله لن يكون سهلًا، إذ يتطلب قرارًا مشتركًا من مجلسي الكونغرس، إضافة إلى غالبية الثلثين في حال اضطر المشرعون إلى تجاوز فيتو رئاسي محتمل.

وكان ترمب قد أعطى الضوء الأخضر للاتفاق أواخر الأسبوع الماضي، على أن يوقّعه الأربعاء وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان. وكان رايت قد بحث تفاصيله خلال أول زيارة خارجية له إلى المنطقة في نيسان 2025.

وقال روبرت أينهورن، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية والمستشار في ملفات منع الانتشار النووي لدى إدارات جمهورية وديمقراطية، إن الاتفاق “قد يساعد على إنعاش الصناعة النووية الأميركية، وتعزيز العلاقات الأميركية – السعودية، ومنع روسيا والصين من الحصول على دور استراتيجي داخل البرنامج النووي السعودي”.

لكنه حذّر في المقابل من أن الاتفاق، إذا لم يتضمن قيودًا كافية، ولا سيما على تخصيب اليورانيوم، “قد يزيد من مخاطر الانتشار النووي في الشرق الأوسط وخارجه”.

وتؤكد السعودية منذ سنوات أن الاتفاق ضروري لتطوير صناعة نووية محلية تستفيد من مخزونات اليورانيوم غير المثبتة بعد، وتلبي حاجاتها المتزايدة إلى الطاقة، بما يسمح لها بتخصيص كميات أكبر من النفط للتصدير وتعزيز عائداتها.

وتشدد الرياض على أن برنامجها ذو أهداف سلمية، رغم أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان قد أعلن عام 2018 أن بلاده ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا طورت إيران سلاحًا مماثلًا.

ومن المتوقع أن تكون شركة “وستينغهاوس إلكتريك” ومفاعلها من طراز AP1000 بين أبرز المستفيدين من الاتفاق. وينتج هذا المفاعل نحو 1100 ميغاواط من الكهرباء، وهي كمية تكفي لتزويد مدينة متوسطة الحجم بالطاقة أو تشغيل مركز كبير لبيانات الذكاء الاصطناعي.

وينص الاتفاق على أن تتولى الشركات الأميركية تزويد السعودية بالمفاعلات الجديدة والتكنولوجيا النووية، مع احتمال منح دور ثانوي لبعض الموردين الأجانب المتعاملين معها.

ومع تقدم المشاريع، سيجري مسؤولون أميركيون وسعوديون دراسة تمتد عامين لبحث جدوى تخصيب اليورانيوم داخل المملكة، بما يشمل تقييم الجدوى التجارية للتخصيب محليًا بدل الاعتماد على الوقود المستورد.

وفي حال خلصت الدراسة إلى أن التخصيب المحلي مبرر، ستتولى شركات أميركية بناء المنشأة وفق نظام سري يعرف باسم “الصندوق الأسود”، يمنع نقل تقنيات التخصيب الحساسة إلى الرياض.

ويقول مسؤولو إدارة ترمب إن الدور الأميركي سيمنع تحويل اليورانيوم المخصب إلى الاستخدام العسكري، كما سيحول دون إعادة معالجة الوقود المستنفد الناتج من المفاعلات بهدف إنتاج مواد تصلح لصناعة قنبلة نووية.

أما إذا عارضت الولايات المتحدة المضي في التخصيب بعد انتهاء الدراسة، فلن يُسمح للسعودية بتنفيذه منفردة أو بالتعاون مع شريك أجنبي آخر لمدة 10 سنوات.

ويرى مسؤولو الإدارة الأميركية أن احتفاظ واشنطن بالدور المركزي داخل البرنامج السعودي سيضمن بقاء التخصيب ضمن الأغراض السلمية، إلا أن منتقدين يحذرون من أن منح السعودية برنامجًا نوويًا، ولا سيما قدرات التخصيب أو إعادة معالجة البلوتونيوم، سيدفع دولًا أخرى في المنطقة إلى سلوك المسار نفسه.

وعلى خلاف الإمارات التي التزمت ما يُعرف بـ”المعيار الذهبي”، أي التعهد بعدم تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها وعدم إعادة معالجة الوقود المستنفد، رفضت السعودية تقديم التزام مماثل.

وقال هنري سوكولسكي، المدير التنفيذي لمركز سياسات منع الانتشار النووي: “حيث تذهب السعودية ستذهب الإمارات وتركيا ومصر. الاعتقاد بأن هذا المسار ستكون له نهاية سعيدة هو وهم”.

وتتزايد المخاوف أيضًا بسبب الخلاف حول عمليات التفتيش المستقبلية، بعدما رفضت السعودية اعتماد “البروتوكول الإضافي” للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي كان سيتيح رقابة أكثر صرامة وعمليات تفتيش أوسع.

ويقول مسؤولو إدارة ترمب إن الاتفاق المنفصل مع الرياض سيضمن مراقبة كافية للمواقع التي توفرها الولايات المتحدة، إلا أن المنتقدين يرون أن هذه الترتيبات لن تكون كافية للتحقيق في أنشطة نووية مشتبه بها خارج المواقع المرتبطة مباشرة بالتكنولوجيا الأميركية.

ولا تقتصر حساسية الاتفاق على الجانب النووي، بل تمتد إلى السياسة الخارجية. فقد كانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن مستعدة للمضي في التعاون النووي مع الرياض، لكنها ربطته بموافقة السعودية على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

إلا أن احتمالات التطبيع تراجعت بعد هجوم “حماس” في تشرين الأول 2023، وما تلاه من تدخل عسكري إسرائيلي في غزة.

ورغم أن ترمب يواصل الضغط على السعودية ودول إسلامية أخرى للانضمام إلى “اتفاقات أبراهام”، فإنه لم يشترط على الرياض إقامة علاقات مع إسرائيل مقابل شراء التكنولوجيا النووية الأميركية وإطلاق برنامجها المدني.

ويأتي الاتفاق في وقت يواصل فيه البيت الأبيض الضغط على إيران لتقييد برنامجها النووي وتسليم مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب.

وبسبب التنافس الإقليمي بين إيران والسعودية، يرى منتقدون أن إدارة ترمب تضع نفسها في موقف متناقض، إذ تطالب طهران بقيود صارمة على برنامجها النووي، فيما تساعد الرياض على بناء برنامج نووي مدني متقدم. إلا أن المسؤولين الأميركيين يؤكدون عدم وجود تناقض طالما يخضع البرنامج السعودي لضمانات فعالة.

وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في بيان: “كونوا مطمئنين، هذه الاتفاقات تلتزم أعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار، وتعتمد أفضل التكنولوجيا والخبرات النووية في العالم، المصممة هنا في الولايات المتحدة”.

وأضاف: “بفضل الرئيس ترمب، بدأت النهضة النووية الأميركية، وستحقق فوائد بعيدة المدى للشعبين الأميركي والسعودي”.

وكان رؤساء أميركيون ديمقراطيون وجمهوريون قد قاوموا طويلًا محاولات دول الشرق الأوسط امتلاك قدرات تخصيب اليورانيوم، إلا أن تعطيل الاتفاق الحالي سيبقى مهمة شديدة الصعوبة أمام المشرعين المعارضين له.

وكان عدد من أعضاء الكونغرس قد طالب عام 2018 بإخضاع أي اتفاق نووي مع السعودية لمعايير أكثر تشددًا، عبر تشريع يمنع التعاون النووي مع الرياض ما لم يصوّت الكونغرس صراحة على الموافقة عليه.

وكان من بين المؤيدين لهذا التشدد آنذاك السيناتور الجمهوري عن فلوريدا ماركو روبيو، الذي يشغل اليوم منصب وزير الخارجية في إدارة ترمب، إلا أن مشروع القانون لم يُعرض يومًا على التصويت.

وبذلك، لا يمنح الاتفاق السعودية برنامجًا نوويًا مدنيًا فحسب، بل يفتح بابًا استراتيجيًا بالغ الحساسية أمام سباق نووي إقليمي، ستكون تداعياته أبعد بكثير من حدود المملكة.

يمكن تشديد العنوان أكثر باتجاه “السلاح النووي” أو “السباق النووي في الشرق الأوسط”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى