حضرة القاضي

بقلم حسين نور الدين
حضرة القاضي.
أيها القادم من جامعات القانون و معاهد القضاء، و محاكم العدل و صروح العدالة.
أخاطب ذلك القاضي الساكن في داخلك، والذي ربما الآن هو نائم في سكرة المناصب، ذلك القاضي الذي عندما درس القانون في شبابه، لا أظن أنه حينها كان يبحث عن المناصب، بل عن الحقيقة و العدالة و إحقاق الحق.
يا حضرة القاضي.
نحن جيل الثمانين من القرن الماضي، جيل الثمانين و ما أدراك ما جيل الثمانين، الجيل الذي شهد الاجتياح الاسرائيلي لقرى و بلدات و مدن لبنان وصولا الى بيروت.
نحن أبناء الجيل الذي رأى بأم العين جحافل الأعداء تدخل الشوارع و الأزقة، فتضرب و تهين و تذل النساء و الرجال، و تعتقل الشباب و التهمة (مخرب).
حضرة القاضي.
عام ١٩٨٥، كنت طفلاً صغيراً، رأيت أمي جالسة في إحدى زوايا البيت باكية بصمت، و تمسح بحجابها الدموع عن خديها، سألتها عن سبب البكاء فلم تجب، بعدها دخل ابي و الغضب يملأ وجهه، دار حديث بينهما فهمت حينها ان أمراً ما قد حصل لطفل اختي البالغ عدة أشهر، و فهمت بعد ذلك أن اختي استشهدت بعملية استشهادية ضد جنود العدو و عملائه، دفاعاً عن لبنان و اطفال لبنان كما قالت في وصيتها المسجلة، و لم تكن اختى الشهيدة ترتدي الحجاب يا حضرة القاضي، و عندما كبرت أنا وجدتها كتبت على احدى اوراقها الصفراء المهترءة، ( أكثر ما يزعجني، طفل يبكي، و وطن يحترق).
نحن يا حضرة القاضي، جيل الثمانين، بعد تحرير الجزء الأكبر من لبنان، و انشاء ما كان يسمى آنذاك الشريط الحدودي، كنا ننام كل يوم في غرفة القبو المظلمة التي لا يدخلها الهواء ولا الضوء، لأن الاحتلال كان يقيم مواقعه على التلال المشرفة على قريتنا وكل يوم يقوم بقصف المنازل وقتل الناس الآمنين دون رادع، كنا عندما نسمع اصوات القذائف، و أزيز الرصاص، و هدير الطائرات، نحضن بعضنا بقوة و نتعاهد ان نموت معاً، و نقرأ شهادة الموت، و نواجه الرعب و الخوف بالدعاء.
كنا عندما نكون في مدارسنا و نسمع المدافع، بعضنا يبدأ بالصراخ و البعض بالهروب، فقد كانت مواقع الاحتلال تبعد بضع مئات من الأمتار عن مدارسنا، و أذكر ذات يوم أن أحداً قد اصابته قذيفة الاحتلال، فوجدنا جزء من قدمه و ذراعه في ملعب المدرسة.
وهذا الرعب يعيشه الآن اطفالنا، مع كل صوت محلقة و هدير طائرة و غارة و انفجار صاروخ.
حضرة القاضي.
أظنك قد قرات او سمعت عن ساحة عاشوراء في مدينة النبطية حين قام الفتية الرجال، و ببعض أدوات إحياء الذكرى، بمواجهة جنود الاحتلال، فكان سلاحهم الأبيض أمضى و أشد من آلة القتل و المدرعات.
و أظنك سمعت أو قرأت عن النساء اللواتي واجهن جنود الاحتلال بالزيت المغلي ليدافعن عن اب او زوج او اخ او ابن اراد الاحتلال اهانته و اذلاله.
حضرة القاضي…
إنني لا أخاطبك دفاعاً عن سلاح، ولا عن فئة، ولا عن طائفة، ولا عن حزب، إنما اتوجه لضمير القاضي، و ضمير العدالة، إن كان لا يزال هذا الضمير على قيد الحياة.
هل السيادة معنية برعب الأطفال و مشاعرهم؟
هل أنت مقتنع أن سبب غطرسة الاحتلال هو السلاح؟
هل انت مقتنع حقاً ان زوال السلاح يجلب الأمن و الأمان و الازدهار؟
هل لدى حضرتك مقدار ربع قناعة ان الاحتلال الامريكي و دول الاستعمار يريدون حماية بلدنا؟!
هل و هل و هل و ألف ألف هل؟
إذا كان ضمير القاضي و ضمير العدالة يجيب بالإيجاب فإنها مصيبة، و إذا كان يجيب بالنفي وهو مرغم على الإزعان فالمصيبة أكبر.
فلا دمتم ولا دامت مناصبكم



