ماتت وهي تحلم بإصدار 53 ديواناً أميرة الحوماني… عودة إلى الأصل يا روح
كامل جابر
ماتت شاعرة الأطفال ومخزون أناشيدهم وأغانيهم، الفنّانة المتنوعة أميرة الحوماني (1934- 17 تموز 2013). رحلت مطوقة بالأوراق والكتابات في منزل العائلة في بلدة حاروف (النبطية)، مخلفة عشرات الدواوين والقصص (أكثر من خمسين ديواناً، ومخطوطات لم تنشر) فضلاً عما خطته أناملها من قصائد غنائية أحيت من خلالها التراث الفني اللبناني المعني بالأطفال والفولكلور.
هي صغرى بنات الشاعر الشيخ محمد علي الحوماني (1898 – 1964) صاحب ديوان “فلان” الذي عرّضه للملاحقة السياسية في عهد الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، فأبعد إلى أميركا ومنها إلى مصر، ليعيش فيها أعواماً حافلة بالنشاط الأدبي وغزيرة الانتاج الشعري، هذا الجو استفادت منه عائلته كل استفادة؛ وهي شقيقة الباحث العلمي والشاعر المهندس رضا (1925- 1999) والأديبة والشاعرة الإعلامية سلوى (1928- 2000)، والأديبة الروائية بلقيس.
في البيت “العتيق” في حاروف، الذي بناه الشيخ أواسط العشرينات من القرن المنصرم، الفواح بعبق الشعر والأدب والثقافة والفنّ، لم يحضر أحد من أهل الفنّ والإذاعة اللبنانية، لا من أجل التكريم وليس حتى للمواساة في الحد الأدنى؛ أما من أهل الثقافة فقد حضر حبيب صادق والسيد هاني فحص ليواسيا آخر حبات عنقود عائلة “الشيخ” صاحبة “حي اللجى” الأديبة بلقيس، وليستعرضا في حضورها ما خلفته الراحلة من مخطوطات، فضلاً عن مخطوطات بلقيس الجاهزة للطباعة.
تتحدث بلقيس عن أن شقيقتها انتكست صحياً منذ مدة، ثم انقطعت عن الطعام، “فقط الأوراق والقلم، لم يفارقا يديها، حتى تلاشت قواها، ثم فارقت الحياة بهدوء”. وتبرز ورقة خطتها الراحلة بيدها، هي بمثابة وصية كانت بين أوراقها المبعثرة، فيها أبيات نظمتها قبل وفاتها، تتمنى كتابتها على شاهد قبرها، و”كان لها ما تمنّت”، تقول:
حلّقي نفسي، أزيحي القيد… أضنتك القيود/ وإلى رمسي، جثماني… لما خلف السدود/ وإلى باريك، يا روح… وللأصل نعود/ فأوان آن للعود، إلى دنيا الخلود/ و”نيام نحن، والموت انتباه من رقود”.
لها مئات القطع الموسيقية والشعرية في الإذاعة اللبنانية، التي أمضت فيها ردحاً كبيراً من عمرها، (نحو 37 عاماً) حتى صنّفت مؤلفة تراثية. تقول في مقابلة معها منذ مدّة: “لي في الإذاعة اللبنانية مئات الأغاني التراثية، كان الكورس ينشدها بأصوات مستعارة. كنت أعلمهم اللحن عازفة على آلة البيانو، وهم يرددون خلفي. بقيت في الإذاعة 37 عاماً، ومن يعط هذه السنوات للتراث، يصبح من حقه إحياء هذا التراث. صار بإمكاني تأليف نماذج تتعلق بالتراث ويحق لي تسميتها تراثية، حتى لو كانت جديدة، من غير أساس تراثي قديم، لكن المهم أن أبني على خميرة تراثية”.
أصدرت في العام 1967، ثم في العام التالي مجموعتين من أغاني الأطفال تحت عنوان “هيك غنّينا” بهدف إحياء وإنماء الفولكلور اللبناني للصغار، كانتا من تأليف وتلحين وخطوط أميرة الحوماني، فضلاً عن إدراجها النوتة الموسيقية لكل أغنية؛ وساعدت شقيقتها بلقيس بتنفيذ الرسوم فيها، ثم بترجمتها إلى اللغة الإنكليزية.
قدم لها سعيد عقل إحدى مجموعتيها فكتب: “أميرة الحوماني ما هي على أهل الفن بدخيلة. وما أبوها بالشاعر الكبير وكفى. إنه أحد من عنى لهم الجمال، ومن أجله حفّزوا الكلمة إلى تبرّج. تصوغ شعراً لموسيقى، وتعكس… فإذا أنت أمام دمالج لمعاصم. وإن كنتَ كلِفَاً بالبساطة – أمر صعب كالاستحالة- حملتك نغماتها العذاب وكأنها الأجنحة. في أغاني الطفولة ليست أميرة إلا كاسمها. وهي، بسبب بثها على فلذات الكبد، إنما خرقت كل النطاقات: ها هي عضو في شتّى جمعيات شعرية هنا وغير هنا وفي أوروبة. لكن أروع ما عندها حسّها الذي يعرف أن ينتقي. اذنها ساحت في كل مخابئ الذوق من لبنان، ومن كل القرى المعلقة عند الغمام “لقوطت” أغاني كقطع السكّر، عليها عاش الفرح الطفولي وماد سهل وجبل”.
نشأت أميرة في مسقط رأسها، في بلدتها حاروف في جنوبي لبنان. أتمت دراستها الثانوية ثم انتقلت إلى القاهرة، إثر الضغوط السياسية التي كان يتعرض لها والدها، بسبب قصائده، حيث عاشت وشقيقها رضا وشقيقاتها سلوى وبلقيس، فترة هناك، وحيث تحولت هي بعد تدخل سفير لبنان في القاهرة آنذاك، محمود حافظ، لدى والدها، إلى دراسة التربية الموسيقية تخصصاً. نالت الدبلوم وتعلمت العزف على آلتي البيانو والعود، ثم انطلقت على الأثر مدرّسة في الكويت، وهناك بدأ انتاجها الفني نظماً وتلحيناً حوالي سنة 1962، لينشر في
بعض المدارس هناك، ثم ما لبثت أن عادت إلى وطنها حيث تابعت عطاءها بواسطة الإذاعات المختلفة وخصوصاً اللبنانية (عبر مديرها آنذاك الدكتور حسن الحسن)، حيث اتجهت إلى شقّ طريق جديد هو إحياء وتطوير الفلكلور اللبناني للطفل.
إلى اهتمامها بالرسم وأعمال التطريز والحياكة، ظهر لها مئات الأغاني وأناشيد الأطفال، إلى عدة قصائد غنائية ترددت من المطربين، منها الفصيح ومنها الزجل اللبناني ومنها الزجل المصري، وهذه نفذت جميعها وبثّت من إذاعات مختلفة وخاصة اللبنانية. كما ظهر لها عشرات الاسكتشات الغنائية التي نفذت وقدمت في الإذاعة اللبنانية وإذاعات أخرى.
ترجمت مجموعتها “هيك غنينا” مع بعض أغانيها إلى الإنكليزية وقدمت في جامعة “كولورادو” الأميركية الموسيقية كنموذج لتعريف الطفل الأميركي على الطفل اللبناني من خلال موسيقاه. كذلك اختيرت مجموعتها إلى معرض “مؤتمر الموسيقى العربية الثاني” (1967) في “فاس” في المغرب كأثر فني لبناني. وكانت عضواً في “عصبة الشعر اللبناني” وفي جمعية المؤلفين والملحنين في باريس وكذلك في لبنان.
ظلت تحلم، حتى آخر الرمق، في أن تمتد يدّ أو دار، وتساهم في نشر دواوينها، وحتى من دون مقابل “فالمهم أن تنشر قبل أن تتبدد”.