جنوبيات

بهية الحريري ترث الأسير : "أميرة الجماعة"

ليس السّؤال الوجيه الذي يُستقى من خطاب النائبة بهية الحريري في الآونة الأخيرة «ماذا تفعل الستّ في صيدا؟» بل ما الذي تريد «مالكة» مجدليون فعله في تيار المستقبل؟ بهيّة الحريري قبل حادثة عبرا الأخيرة ليست كما بعدها.

southlb_hariri_assri_1bcfd.jpg قد لا تكون العودة إلى ماضيها البعيد ولا حتّى القريب مفيدة لتفكيك ما يجول في خاطرها، بقدر ما يحمِل أمسها الذي صدمت فيه الحليف قبل الخصم علامات على حساباتها السياسية التي بدأت تتبدّل

قبل أن ينبت الفرع المتطرّف في صيدا، ملفوفاً بعباءة الشيخ أحمد الأسير، كانت بهية الحريري «حافرة بأظافرها». يركن العارفون بها إلى «خدمات لم تتوّقف على مدار الساعة». لم تترك ابنة المدينة فرصة إلا واستغلتها لتعزيز مُلك آل الحريري في كل شارع وزاوية. صيدا تعني رفيق وسعد وبهية ومن بعدهم فؤاد السنيورة، وأي فرضية أخرى مرفوضة بالمطلق، وإن كان واقع الأرض مغايراً لذلك. فمحاولة إزالة تاريخ معروف سعد كانت تجري على قدم وساق، سياسياً وانتخابياً. لكن أحداً في مجدليون، لم يكُن ليتوقّع أن ما سيُباغتهم في عقر دارهم سيكون أعظم، ممّا سيضطر المتربعة على عرشها إلى تغيير جلدها وتبنّي خطاب من نوع آخر.

قبل العام 2005 وبعده

أحاطت بهية الحريري نفسها بهالة متمايزة عن فريق الرابع عشر من آذار وتيار المستقبل. قبل انفجار 14 شباط الذي زلزل كيانها قبل أي أحد آخر، لم تكُن فقط شقيقة الرئيس رفيق الحريري. بنَت لنفسها سيرةً ذاتية أهم ما فيها، هي تلك العلاقات التي استطاعت نسجها مع كل الأطراف المحاذية لمدينة صيدا. من بوّابة الجنوب، عرفت الحريري، سرّ الطريق إلى السياسة من بابها الواسع. بدايةً، سارت على خطى شقيقها قبل اغتياله. ذاع صيتها في صيدا وما بعد بعد صيدا. لم تُوّفر منذ التسعينيات، مروراً بكل المحطات المأساوية التي ضربت جنوب لبنان نتيجة الاحتلال الإسرائيلي، موجة الا وركبتها للقول إنها نائبة تستحق كرسيها. فأم نادر باتت جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي الجنوبي. في السياسة، راكمت كمّاً من المواقف المؤيدة لمسيرة المقاومة. لم تتفّوه يوماً بغير ما تشتهيه سفن الجنوبيين. على الأرض ظهرت بصماتها واضحة. لم تطلُب أن يُسمى شارع محرر باسمها مكافأة على مواقفها الداعمة، لكنها كانت غالباً ما «تقبض» ثمنها في أخبار غير عابرة تتحدّث عن دورها المساند للجنوبيين (كرعاية أسر شهداء مجزرة قانا). ثمن قدره آلاف الأصوات التي صبّت في مصلحتها ايجاباً داخل صناديق الاقتراع على لوائح حزب الله وحركة أمل.

فقد كانت المرأة المدللة عندهم على حساب باقي القوى الوطنية. حتى بعد العام 2005، وبعدما سلك تيار المستقبل طرقاً فرعية قطّعت اوصال علاقته السابقة مع حزب الله وحركة أمل، لم تُغامر بهية برصيدها السياسي والشعبي. فراصد كل خطاباتها، يُمكنه وبسهولة إدراك تنبّهها إلى ضرورة المحافظة على شعرة معاوية مع فريق الثامن من آذار، وتحديداً حزب الله. حتى سوريا لم تسلم من مبادرتها الإيجابية الشهيرة، عندما وقفت على منبر 14 آذار 2005 لتقول «إلى اللقاء سوريا» بدلاً من وداعاً. لم تُحمّل الحزب مسؤولية دم الشهيد مباشرة، ولم ترَ في حرب تموز العام 2006، خطأ ساق الدمار إلى لبنان. وفّر عليها حذرها، وثيقة من وثائق ويكيليكس، تجلب إليها عار «التآمر». فضّلت، بدلاً من الجلوس إلى مائدة الأميركيين في سفارة عوكر، المشاركة في افتتاح عدد من مشاريع إعمار الجنوب، استهلتها جميعها بخطابات توجيه التحية إلى المقاومين والصامدين في أرضهم. حتى في جلسات المجلس النيابي، حاذرت الدخول في «معارك» التجاذب التي شهدتها أروقة البرلمان، ووصلت إلى حد تبادل القدح والذمّ بين النواب. كانت الأكثر دبلوماسية في دفاعها عن «قضية الحقيقة». لم يُشهد لبياناتها في ساحة الشهداء ولا قاعة البيال، حتّى أن مضمونها «الخفيف» ذاب بين سطور صقور هذا الفريق المتفجّرة. مشت «حَد الحيط» حتى خرجت الصيحة الاولى لخطيب مسجد بلال بن رباح الشيخ أحمد الأسير.

زعيمة لا نائبة

ظهر الأسير إلى العلن في صيدا مبايعاً نفسه علناً عدواً للمقاومة. صيدا معقل أساسي للمستقبل. لم يأتِ مناصرو الأسير معه. لكنه لمّ ما لمّ من قواعد التيارات الصيداوية التي افتقدت خطاباً متطرّفاً. لم يكُن الحصن الأزرق بمنأى عن سهامه. فأرضه الهشّة، كانت كفيلة بأن تفتح الأبواب أمام «المُدافع عن حرمة الطائفة ضد المعتدين على كرامتها». لم ينجح في جذب مناصري «تيار العلم» وحسب، بل وصل إلى العمق. يقول العارفون إن «رجال الأمن في منزل آل الحريري في مجدليون، كانوا أول الواقفين في طوابير الصلاة وراء الشيخ الأسير»، بحجة أن «مسجده هو الأقرب إلى مركزهم». لم تكُن بهية الحريري لتتوقّع تسلله إلى عقولهم حتى هذا الحد. حدّ لم يقتصر على مرافقيها، بل على نسبة واسعة من أبناء صيدا، الذين حملوا في غالبيتهم أعلام المستقبل يوماً. لم تكُن صيحات التكبير لتزعج أذنيها، ما دامت محصورة داخل جدران المربّع الأمني لأحمد الأسير. الا أنه وبعد توسّع هذه الظاهرة وبسط جناحيها داخل صيدا وخارجها، دفعتها إلى أن تتحسّس رقبتها. قيل كلام كثير في النائبة التي «دعمت الأسير وموّلته مادياً». حتّى أن نجلها أحمد لم يكُن بعيداً
عن الصورة، فقد جزم خصومه في صيدا بأن «الحريري الابن استغل كل الأدوات الممكنة للتصويب على المقاومة، وأحمد الأسير واحد من هذه الأدوات». لكن يبدو أن هذه الأداة تخطّت كل توقعاتهم. حتّى عشية المعركة الكبرى بين جماعة الأسير والجيش اللبناني في عبرا، لم يلامس خطاب بهية الحريري السقف العالي للرجل المحارب. رغم ما فرضته الأزمة السورية، التي أنبتت من تحت الأرض حركات إسلامية وسلفية استطاعت، وفي وقت قصير، أن تحُل محل تيار المستقبل في الشارع السني، تزامناً مع غياب زعيمه الشيخ سعد الحريري وأزمته المالية، التي انعكست شحاً في الخدمات والتمويل.

لم تحتج هذه الحركات إلى أكثر من خطاب يتجرأ على زعماء الطائفة الشيعية، مهدداً رموزها، مسقطاً عنها «قداستها»، الأمر الذي أضعف من نجم بهية، حيث لم يعُد لخطابها المعتدل صدى في الشارع. قلبت حادثة عبرا الأخيرة التي هزت عرش مجدليون كل الموازين، وأجبرت صاحبتها على إعادة كل حسابتها. فقد فوجئ زوّارها من قوى الرابع عشر من آذار، الذين قصدوا منزلها يوم الأحد الماضي بأنها «لم تعُد بهية الحريري نائبة في البرلمان بل أصبحت زعيمة المستقبل». من الواضح بحسب ما أشارت مصادر الاجتماع، أن «الوريثة الشرعية لأخيها في صيدا، بدأت تستند إلى تجربة الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة». بدأت ممارستها هذه «قبل تكليف الرئيس تمّام سلام تأليف الحكومة»، فقد «طرحت نفسها خياراً لرئاسة الحكومة، بصفتها شخصية مستقبلية مقبولة عند فريق الثامن من آذار»، لتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد، إذ «توفّر على تيارها مشهد الانقلابات التي قام بها حلفاؤه، ولا تفتح المجال أمام البيوتات السنيّة لأن تأخذ حقّها في السياسة»، قبل أن يجابه سعيها هذا برفض الخصوم.

بهيّة الجديدة

بالعودة الى الداخل الصيداوي والهجمة التي قادتها النائبة بهية الحريري ضد الجيش اللبناني وسرايا المقاومة بعد أيام الاشتباكات، الغريب برأي مصادر 14 آذار أن «السيدة ساوت بين 14 شباط يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري ويوم اقتلع الجيش مربع الأسير بعد الاعتداء على ضباطه وجنوده»، معتبرين أنها «تجاوزت خطوط السياسة وأحياناً وصلت الى حد التجريح في بعض تصريحاتها». من الطبيعي بحسب هؤلاء أن «يصبح منطقها بعد كل هذه الفترة مستهجناً ومستغرباً، ولا سيما أنها وصلت إلى حدّ تبني أفعال الأسير ولو ضمناً، قبل أن تسحب المسؤولية عن ظهر المؤسسة العسكرية وتُلقيها على عاتق عناصر سرايا المقاومة، حتّى أنها أخرست النائب معين المرعبي في الاجتماع لمجرّد تهجّمه على قائد الجيش العماد جان قهوجي، ونهرته بشكل أثار حفيظة بعض الحاضرين الذين وصفوا كلامها بالقمعي». عملياً، تصف هذه المصادر خطاب النائبة الحريري الجديد بـ«ردّة الفعل على تحميلها مسؤولية ما حصل في مدينتها، حتّى من داخل التيار». تقول هذه المصادر إن «ثمّة من انتقدها، معتبراً أنه رغم كل أموالها، فقد تسبب غياب موقفها السياسي في وجود شيخ كالأسير. قارنوا بينها وبين النائب نهاد المشنوق في بيروت، والنائب خالد الضاهر في عكار». عتبهم عليها بسبب «اكتفائها بالاهتمام بالمخيمات، لضمانة أمن صيدا من محيطها، وتأخرها في فهم المرحلة الراهنة التي تتطلب منها خطاباً عالياً تستطيع من خلاله اعادة تنشيط الحالة السياسية في المدينة لصالح تيارها».

رُبما لن تعرف صاحبة المنديل الأبيض نفسها إن وقفت على مرآتها، كما لم يعرفها المقربون منها مؤخراً. هي اليوم تصُبّ كل تركيزها على لهجة متطرّفة تُعينها على تقوية حضورها لملء الفراغ الذي خلّفه الأسير وراءه فلجأت إلى الخطاب الطائفي المذهبي الصريح، ومن دون مداورة. راقت الفكرة لها. تبدو لها مفردات الزعامة والإمارة أجمل ألف مرّة من مجرد لقب نائبة عن مقعد في المدينة. بهية الحريري لم ترث شقيقها. لكنها اليوم قررت وراثة أحمد الأسير لتصبح «أميرة الجماعة».

 

 

ميسم رزق | الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى