جنوبيات

رحل "أبو نعيم" وانحنت سنديانة بنت جبيل الحمراء شيوعي دخل الحزب من بوابة السجن قبل 77 عاماً

p06-01-25162-640_251997_large_77183.jpg

عباس صباغ – النهار

طوى “ابو نعيم” (ابرهيم نعيم بزي) صفحات العمر وانتقل الى جوار رفيقة دربه التي لم يقبل مفارقتها خلال عدوان تموز 2006 رغم مقتلها بعدما اشتد القصف على بنت جبيل ونفد الدواء وحتى الماء، وأصر على الجلوس الى جانب جثمانها الى ان أعلن العدو الاسرائيلي عن هدنة بعد مجزرة قانا الثانية في 30 تموز.

يومها غادر “ابو نعيم” بنت جبيل الى بيروت ومكث عند ابنته أشهراً قليلة، ليعود الى منزله بعد إعادة اعماره، ولكن في قلبه حزن مزدوج، الاول كبير وعميق لانه عاد الى المنزل من دون ان تستقبله “ام نعيم”، والحزن الآخر لانه فقد مكتبته التي ظل سنوات يجمع كتبها، ولم يشف غليله ما جمعه له الرفاق والاصدقاء من كتب قبل عودته.
قبل سبعة وسبعين عاماً، وتحديداً في أوائل نيسان 1936 انطلقت تظاهرة في بنت جبيل ضد الفرنسيين، فسارع “ابو نعيم” الى المشاركة فيها احتجاجاً على اعتقال عدد من ابناء بنت جبيل الذين سبق ان تظاهروا ضد شركة “الريجي”، ومنهم الشاعر الراحل موسى الزين شرارة، ويومها أطلق الجنود الفرنسيون النار على المشاركين في التظاهرة، واعتقلوا عدداً منهم ونقلوهم الى سجن الرمل في بيروت، ومن بينهم “أبو نعيم”، “عندما علم الراحل محسن بيضون شقيق النائب الراحل رشيد بيضون بوجودنا في السجن أرسل لنا السجاد الأحمر الى الغرفة، كنا 35 شخصاً، وأذكر أن مدير السجن محمد جواد دبوق من بلدة خربة سلم (بنت جبيل) فوجئ باهتمام بيضون بنا”. ويضيف “أبو نعيم” في حديث الى “النهار” في 10 أيلول 2006: “بعد أيام عدة اقتيد الى السجن عاملان من عمال المطابع، هما شارل اسطفان وفرج الله حداد، والأخير من قانا (صور)، وكانا شيوعيين وامضيا معنا نحو ثلاثة أسابيع”.
السجن أكسب “أبو نعيم” حرية فائضة، فتحرّر من بعض التقاليد المحافظة ووجد في الحزب الشيوعي مكاناً آمناً فكرياً وعقائدياً، وكان من أوائل الشيوعيين في الجنوب، وأنشأ خلية للحزب، مما دفع مؤسس الحزب فرج الله الحلو الى زيارة عيناتا وبنت جبيل عام 1937.

حب للقراءة وكره للاستبداد
كره “أبو نعيم” خنق الحريات ومحاربة المفكرين، وما فتئ يردد أمام زواره قول الشاعر الانكليزي ميلتون: “من يخنق كتاباً فكأنه قتل إنساناً، ومن يقتل إنساناً فكأنه قضى على ظل الله، لا بل كأنه قتل إنساناً عاقلاً، ومن يقتل انساناً عاقلاً فكأنه وضع سبابته في عين الاله”. قالها آخر مرة بعد استشهاد سمير قصير وجبران تويني، فهو كان من عشاق “النهار” وخصوصاً ملحقها الثقافي، وشديد الاعجاب بالزميلين عقل العويط وجمانة حداد، وكان يتحدث عن المؤلفات الأدبية بحرارة ودفء شديدين يوازيان احتضان أم لوحيدها. وخلال حديثه عن احراق مكتبته في تموز 2006 كان يردد “لقد قتلوا النساء والأطفال والشيوخ، وأحرقوا كل شيء، حتى غصون أشجار الزيتون وصفحات الكتب”.
وكان ينهي حديثه عن اسرائيل وجرائمها ويعود الى الحديث عن اغتيال المفكرين والكتّاب، ولا ينسى أن يذكّر بقول الشاعر الفرنسي بول ايلوار: “كل مياه البحر لا تغسل نقطة دم من كاتب يسقط شهيد معتقداته”.
رحل مثقف بنت جبيل الشعبي، فغيّرت البلدة عنوانها وانحنت السنديانة الحمراء.
“أبو نعيم”، وداعاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى