إلى الأميرة الراحلة أميرة الحوماني

عبد المنعم عطوي
أمس رحلت أميرة محمد علي الحوماني. توسّدت ثرى بلدتها حاروف، ومضت في سفر بعيد لا عودة منه.
هي واحدة من المبدعات في وطني.. عشقت منذ يفاعتها الحرف والكلمة. وعانقت الشعر واللون والنغم.
أحيت التراث الوطني عبر مئات من المقطوعات الموسيقية والشعرية. وتبوأت مراكز متقدمة في الإذاعة اللبنانية.
ما زلت أذكر المرة الأولى التي سمعت فيها اسم أميرة الحوماني. يومها كنا صغاراً على مقاعد الدراسة، حين وقع بين يدي ديوان «هيك غنّينا»، وبين دفتيه مقطوعات وأشعار لا أجمل ولا أبهى.
وكم كان سرورنا كبيراً عندما رحنا نردِّد تلك الأشعار. نردِّدها بشغف، ونحفظها عن ظهر قلب، ونسأل في سرِّنا: مَن هي هذه الأميرة التي تغني للفرح، وتحكي حكايات الفلاحين في قرانا الجنوبية.. حكاية البيدر والنورج في مواسم الحصاد؟
مَن هي هذه التي توقظ النغم في أسماعنا، وتروي ظمأ نفوسنا الوالهة؟
مَن هي التي تواجه الحرب بالحب.. والحقد بالرحمة.. والتعصب بالتسامح؟ وكبرنا.. والتقينا.. وقرأنا والدها الشاعر العاملي محمد علي الحوماني.. هذا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في مرحلته، فأدركنا آنئذ أنه المنبع والمطلع، منه تحدّرت هذه السلالة الطيِّبة.
فكانت سلوى كبرى بناته، وقد رحلت منذ سنتين، وتركت خلفها آثاراً شعرية ونثرية، هي امرأة لها في ميادين الكتابة الأدبية والصحافية باع طويل وتشهد لجرأتها المنابر والمنتديات في لبنان ومصر حيث كتبت في جريدة «الأهرام». ثم بلقيس، الروائية التي أنجزت رائعتيها «حيَّ اللجا» و«سأمر على الأحزان» وهي لا تزال في الهزيع الأخير من العمر تسعى لنشر روايتها الثالثة «بين الأسرة البيضاء».
لقد عاشت هذه الأسرة الأدبية العاملية في الظل طويلاً، اكتنف الغموض حياتها لولا جهود «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» وقلّة من الحرصاء على الأدب العاملي، لما تعرَّفنا إلى تلك الكوكبة المضيئة. وهنا يراودني كما يراود كثيرين من أمثالي سؤال أساسي: لماذا يعيش المبدعون في وطني غرباء ويموتون غرباء؟
إن دولة لا تكرِّم مبدعيها، هي دولة آيلة إلى السقوط.. وإن شعباً لا يحتضن المبدعين من رجاله والنساء لهو شعب غير جدير بالبقاء.
سيظل صوتك يوقظ في ليل العتمة قناديل أرواحنا..
وسيبقى تراثك الشعري والفني رائداً يقودنا نحو منابع الحق والخير والجمال.



